تمر المنطقة اليوم بمرحلة دقيقة تتقاطع فيها التحولات الدولية المتسارعة مع تصاعد التوترات الإقليمية، وهو ما يضع دول الخليج أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على حماية استقرارها وصون أمنها. وفي قلب هذه المعادلة تقف البحرين إلى جانب أشقائها في مجلس التعاون، أمام تحديات أمنية متزايدة تفرض قراءة واقعية لما يجري في محيطها الإقليمي، خصوصًا في ظل الاعتداءات الإيرانية الآثمة والصواريخ والطائرات المسيّرة التي باتت تستهدف أمن الخليج بشكل مباشر.
وفي هذا السياق، جاء الخطاب الأخير لجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ليؤكد ثوابت الموقف البحريني في هذه المرحلة الحساسة. فقد شدد جلالته على أن البحرين كانت وستظل دولة سلام، لم تبادر يومًا إلى استعداء أحد، ولم تنتهج إلا طريق التعاون وحسن الجوار، وهو نهج يعكس طبيعة السياسة التي اختارتها المملكة في علاقاتها مع محيطها الإقليمي والمجتمع الدولي. لقد أثبتت التجارب أن استقرار الدول لا يتحقق إلا من خلال احترام سيادة الآخرين والامتناع عن التدخل في شؤونهم الداخلية. فكلما اتجهت بعض الدول إلى تصدير أزماتها أو السعي لمد نفوذها خارج حدودها عبر أدوات سياسية أو عسكرية، انعكس ذلك سلباً على استقرار المنطقة بأكملها، وفتح أبوابًا واسعة للصراعات التي تستنزف الموارد وتضعف فرص التنمية.
وما تشهده المنطقة اليوم من اعتداءات آثمة وصواريخ وطائرات مسيّرة تستهدف دول الخليج، ومنها البحرين، يؤكد أن الخطر لم يعد مجرد احتمال نظري أو تحليلات سياسية، بل واقع يفرض نفسه على الأرض. فحين تصل الصواريخ إلى أجواء الخليج، فإن الرسالة تكون واضحة، إذ تكشف عن نهج يقوم على استخدام القوة أو التهديد بها لفرض النفوذ وإرسال رسائل سياسية عبر أدوات عسكرية.
وقد عبّر جلالة الملك بوضوح عن رفض البحرين القاطع للاعتداءات التي تعرضت لها المملكة وعدد من الدول العربية الشقيقة، مؤكدًا أن مثل هذه الأعمال لا يمكن تبريرها تحت أية ذريعة. وفي الوقت ذاته، أشاد جلالته بالجاهزية العالية التي أبدتها قوات دفاع البحرين الباسلة والأجهزة المعنية كافة، وما أظهره رجالها من يقظة ومسؤولية وطنية في التصدي لتلك المحاولات وإحباطها، حفاظًا على أمن الوطن وسلامة المواطنين والمقيمين.
كما أشار جلالته إلى ما تتميز به البحرين من لحمة وطنية راسخة وتعايش إنساني يحتضن مختلف الأديان والمعتقدات، في مشهد حضاري يعكس القيم التي نشأ عليها المجتمع البحريني عبر تاريخه. وفي أوقات التحديات، تمثل هذه الوحدة الوطنية ركيزة أساسية تعزز قدرة الدولة على تجاوز الأزمات ومواجهة أية أطماع تستهدف أمنها واستقرارها.
ولا يمكن فهم ما يجري في المنطقة بمعزل عن السياسات الإقليمية التي انتهجتها إيران خلال العقود الماضية، والتي قامت في كثير من الأحيان على توسيع النفوذ عبر شبكات وتنظيمات تدين لها بالولاء في عدد من الدول العربية. وقد شهدت المنطقة نماذج عديدة لنتائج هذا النهج، حيث تحولت بعض الدول التي كانت تنعم بالاستقرار إلى ساحات صراع داخلي وتنافس إقليمي.
وفي مواجهة هذه التحديات، برزت أهمية التضامن الخليجي باعتباره أحد أهم ركائز الاستقرار في المنطقة. وقد عبّر جلالة الملك عن تقديره لما أبدته دول مجلس التعاون من دعم ومساندة أخوية صادقة للبحرين، في موقف يجسد حقيقة الترابط بين دول الخليج ووحدة المصير الذي يجمعها.
فالتجارب الدولية تؤكد أن قوة الدول لا تقاس بحجمها الجغرافي أو السكاني فحسب، بل بقدرتها على بناء منظومة متماسكة من التعاون السياسي والأمني والاقتصادي. ومن هنا تبرز أهمية تعميق التكامل بين دول مجلس التعاون، وتطوير آليات الدفاع المشترك، وتنسيق المواقف في القضايا الاستراتيجية التي تمس أمن المنطقة واستقرارها.
إن ما تتعرض له البحرين اليوم يذكّر بحقيقة أساسية مفادها أن أمن أية دولة خليجية هو جزء لا يتجزأ من أمن بقية الدول. فالتهديد الذي يستهدف المنامة لا يقف عند حدودها، بل يمتد في تأثيره ليشمل استقرار الخليج بأكمله.
ورغم هذه التحديات، أكد جلالة الملك أن البحرين ستبقى ثابتة على نهج الحكمة والاعتدال، ماضية بثقة في أداء دورها الإقليمي والدولي الداعم للسلام والاستقرار. وهو نهج يعكس قناعة راسخة بأن أمن المنطقة لا يتحقق إلا عبر التعاون واحترام سيادة الدول والعمل المشترك من أجل مستقبل أكثر استقرارًا.
وفي النهاية، يبقى الدرس الأهم أن الاستقرار في الخليج ليس أمرًا يمكن اعتباره مسلّمًا به، بل هو نتيجة تعاون حقيقي بين دوله. ومع وحدة الموقف وتماسك الصف الخليجي، ستبقى البحرين ودول المجلس قادرة على حماية أمنها وصون استقرار المنطقة.
مدير أول سابق بغرفة تجارة وصناعة البحرين