في كثير من الأحيان نقول إن المشكلة في قلة الأفكار، لكن الحقيقة ليست هنا، الفكرة موجودة، نراها في الجامعة، في مشاريع الطلبة، في بحوث بسيطة، لكن غالباً تتوقف عند هذا الحد، لا تتحرك، لا تتحول إلى شيء يعيش في السوق، كأنها تظل فكرة مكتملة داخل الورق فقط، وفي المقابل هناك سوق يحتاج إلى حلول عملية، إلى منتجات قابلة للتطبيق، إلى أفكار يمكن أن تتحول إلى قيمة فعلية، وهناك سياسات تتكلم عن دعم الابتكار، لكن في الغالب هذه الأطراف لا تلتقي فعلياً، كل طرف في مسار مختلف، وهنا المشكلة لا تكون في الفكرة نفسها، بل في عدم وجود لحظة تجمع وتكامل بين هذه الأطراف.
هذه اللحظة لا تحدث بشكل عشوائي، ولا تأتي بمجرد وجود أفكار جيدة، بل هي نتيجة بيئة تتشكل فيها العلاقة بين الجامعة بما فيها من معرفة وأبحاث، والدولة بما تضعه من سياسات وإطار عام، والسوق الذي يختبر ويستثمر، وعندما تبدأ هذه العلاقة بالظهور ولو بشكل جزئي، تبدأ الفكرة بالخروج من كونها تجربة أكاديمية إلى شيء أقرب للواقع، أو شيء يمكن أن يُختبر، أو يُعدّل، وربما يُبنى عليه، وهنا يبدأ التحول الفعلي، ليس في الفكرة فقط، بل في طريقة عمل الاقتصاد نفسه.
هذا الشكل من العلاقة ليس مجرد ملاحظة عابرة، ولا حالة تحدث بالصدفة بين وقت وآخر، بل هو أقرب إلى طريقة نفهم من خلالها كيف تتحول المعرفة إلى اقتصاد، وكيف يمكن للفكرة أن تخرج من الجامعة إلى السوق عندما يكون هناك تداخل حقيقي بين هذه الأطراف، وهنا يظهر ما يُعرف “بالحلزون الثلاثي”، لكن الأهم من الاسم او المصطلح نفسه هو أن نفهم متى تكون هذه العلاقة متسقة فعلاً بين الجامعة والدولة والسوق، ومتى تبقى مجرد شكل دون أثر حقيقي.
وعندما نحاول النظر لهذا النموذج في الواقع، لا تكون الصورة بهذه البساطة، فالجامعة تنتج معرفة لكنها قد تبقى حبيسة داخلها، والدولة قد تضع سياسات لكنها لا تصل إلى مستوى التطبيق الفعلي، والسوق قد يكون مستعداً لكنه لا يجد ما يمكن البناء عليه، وهنا لا تكون المشكلة في غياب أي طرف، بل في عدم تحركهم في اتجاه واحد، لأن الفكرة لا تنتقل تلقائياً من مكان إلى آخر، بل تحتاج إلى من يأخذها، يختبرها، يعيد تشكيلها، ثم يدفع بها إلى السوق، وفي هذه المساحة تبدأ الفكرة تأخذ شكلاً مختلفاً، ليس كبحث فقط، ولا كمنتج جاهز، بل كشيء يتطور خطوة بخطوة، وهذا ما يجعل هذا التداخل هو جوهر ما يُعرف بالحلزون الثلاثي في صورته العملية.
وإذا انتقلنا من هذا الإطار إلى الواقع القريب، سنجد أن الفكرة ليست بعيدة، بل موجودة بالفعل في نماذج نراها أمامنا، ربما بشكل غير مكتمل، أو في مراحلها الأولى، لكنها تعكس نفس الفكرة، ففي البحرين مثلاً، بدأت تظهر مبادرات تربط بين التعليم والسوق، وتفتح المجال أمام تحويل الأفكار إلى مشاريع، لكن السؤال هنا ليس في وجود هذه المبادرات، بل في مدى قدرتها على الاستمرار والتكامل، وهل تتحول إلى منظومة واضحة، أم تبقى محاولات متفرقة تظهر وتختفي بين حين وآخر.
وعند النظر بشكل أقرب، يمكن ملاحظة ذلك في تجارب مثل بيئة Fintech (التكنولوجيا المالية) في البحرين، حيث بدأت العلاقة تتشكل بين الجهات التنظيمية، والقطاع الخاص، والمؤسسات التعليمية، بشكل يتيح تجربة أفكار جديدة في السوق، وكذلك في بعض مشاريع الطلبة التي تتجه نحو حلول عملية، مثل مبادرات مرتبطة بإدارة النفايات أو الاستخدام الذكي للموارد، ومنها أيضاً تجربة لطلبة يعملون على تطوير منصة تجمع الجامعات في مملكة البحرين، بحيث تساعد الطالب على معرفة التخصصات المطروحة، الرسوم الدراسية، تصنيف الجامعات، والبرامج المتاحة في البكالوريوس والدراسات العليا، وهي فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها تعالج فجوة حقيقية يواجهها الطلبة عند اتخاذ قرارهم التعليمي، وقد تمتد فائدتها لتشمل طلبة من دول مجلس التعاون الخليجي، وهذه أمثلة لا تعني أن النموذج اكتمل، لكنها تشير إلى أن هناك بداية فعلية، وأن الفكرة لم تعد محصورة داخل القاعة الدراسية كما كانت في السابق.
وفي هذا السياق، لا يكون التحدي في وجود الفكرة أو حتى في توفر المبادرات، بل في ما يحدث بعدها، فالكثير من هذه المحاولات لا تتوقف لأنها ضعيفة، بل لأنها لا تجد ما يجعلها تستمر، فتبدأ بشكل جيد، ثم تتوقف، أو تبقى مرتبطة بجهد فردي أو بفريق عمل لا يتوسع، بينما ما يحتاجه الاقتصاد فعليًا ليس مجرد بداية، بل استمرار، وتراكم، وربط بين التجارب، بحيث لا تبدأ كل فكرة من الصفر، ولا تنتهي عند أول تجربة.
وفي النهاية، لا يمكن النظر إلى الابتكار كفكرة مستقلة أو مشروعاً منفصلاً، بل هو نتيجة علاقة تتشكل بين الجامعة والدولة والسوق، وعندما تكون هذه العلاقة متسقة، تتحول الفكرة إلى مسار، ويتحول المسار إلى قيمة اقتصادية يمكن البناء عليها، أما في غياب هذا التكامل، فحتى أفضل الأفكار قد تبقى في حدودها الضيقة دون أن تتجاوزها، وهنا لا يكون السؤال هل لدينا أفكار، بل هل نملك القدرة على تحويلها إلى قيمة اقتصادية حقيقية تعيش وتستمر داخل الاقتصاد البحريني؟
أكاديمي وكاتب بحريني