الفيلم الحادي والعشرون: فيلم "صيد السلمون في اليمن"
السينما وقضايا الشرق الأوسط
تفتح صحيفة “البلاد” نافذةً نقدية وفكرية واسعة من خلال هذه السلسلة الاستثنائية التي تحمل عنوان “السينما وقضايا الشرق الأوسط”، لتسلّط الضوء على الدور المحوري للفن السابع كشاهد عيان ومرآة عاكسة للتحولات الكبرى في منطقتنا العربية. لا تتعامل هذه السلسلة مع الفيلم السينمائي كمجرد وسيلة للترفيه، بل كمادة للبحث والدراسة السوسيولوجية والسياسية، عبر جولة معمّقة في أرشيف السينما العربية والعالمية التي توغلت في تفاصيل الصراعات والأزمات وقضايا الهوية والحرية.
ستقوم “البلاد” بتحليل أهم الأعمال التي لامست أوجاع الشرق الأوسط بجرأة فنية، بدءًا من القضية الفلسطينية والحروب الأهلية، وصولًا إلى قضايا الهجرة وتحديات الاستقرار الاجتماعي. نهدف من خلال هذا الملف إلى تفكيك لغة الصورة، وفهم كيف استطاع المخرجون تحويل القضايا المعقدة إلى حكايات إنسانية مؤثرة قادرة على مخاطبة الوجدان العالمي.
إنها دعوة للقارئ لاكتشاف كيف أصبحت الكاميرا سلاحًا ناعمًا في توثيق التاريخ وإعادة صياغة الرواية العربية أمام العالم، برؤية تحليلية تزاوج بين النقد الفني والوعي السياسي الرصين.
ضمن سلسلة “السينما وقضايا الشرق الأوسط” نحاول رصد النسبة الأكبر من تلك الأعمال التي استحضرت قضايا المنطقة عبر أنماط وتوجهات عدة، في محاولة لرصد ذلك الحضور والموضوعات والمحاور التي تم التعامل معها بالبحث والتحليل.
ضمن سلسلة "السينما وقضايا الشرق الأوسط"، نتوقف في هذه المحطة أمام تجربة سينمائية ترتكز على نص روائي بذات الاسم "صيد السلمون في اليمن"، والذي يذهب إلى منطقة الشرق الأوسط من زاوية جديدة.
يُعدّ هذا الفيلم الكوميدي الرومانسي البريطاني من أفضل الأفلام التي تدور أحداثها في الشرق الأوسط، وهو فيلم مثالي يُشعرك بالسعادة، ويتميز أيضًا بتصويره في صحراء اليمن الخلابة. يستند الفيلم إلى رواية تحمل الاسم نفسه، نُشرت عام 2007 بعنوان "صيد سمك السلمون في اليمن" للكاتب بول تورداي، حولها للسينما لاسه هالستروم، ويروي قصة محاولة إدخال رياضة صيد الأسماك بالصنارة إلى اليمن، رغم معارضة المتشددين الإسلاميين.
يتناول الفيلم قصة ألفريد، خبير بريطاني في مجال مصايد الأسماك، الذي تتصل به هارييت، مستشارة مالية، طالبةً مساعدته في مشروع لإنشاء بيئة اصطناعية لصيد سمك السلمون في اليمن. وبينما يرى ألفريد المشروع مستحيلاً، تضغط عليه الحكومة البريطانية لتوليه بهدف تحسين العلاقات السياسية بين بريطانيا والحكومات الإسلامية.
في النهاية، يوافق ألفريد، وسرعان ما يجد نفسه في اليمن يعمل مع هارييت. ومع ازدياد تقاربهما، يتصاعد التوتر بسبب قرار الشيوخ استيراد رياضة أجنبية إلى اليمن. وعندما يُوشكان على تجربة المشروع، تقع كارثة. يتناول فيلم "صيد سمك السلمون في اليمن" بعض القضايا المظلمة، ولكنه في نهاية المطاف قصة عن الحب والصداقة التي تتجاوز الحدود.
هكذا هو الفضاء العام للفيلم، ولكن دعونا نسلط الضوء بشكل أكثر تركيزًا.. حيث نتساءل عندها: صيد سمك السلمون في ماذا؟ لا شك أن العنوان يهدف إلى إثارة الدهشة. في نهرٍ بصحاري غرب اليمن، هذا هو المكان. يستند فيلم "صيد سمك السلمون في اليمن" إلى رواية بول تورداي كما أسلفنا، وهي رواية سياسية ساخرة حققت مبيعات هائلة في المملكة المتحدة، وتتيح لنا نافذةً على عالمي السياسة البريطانية واليمنية، وتفاني صيادي سمك السلمون، وإمكانية نشوء علاقة رومانسية بين البشر وسمك السلمون، اللذين يتوجب عليهما في هذه القصة السباحة عكس التيار.
هناك نوع من الشخصيات في الكوميديا البريطانية يأسرنا ونحبه، وهو العالم غريب الأطوار ذو التخصص الدقيق. تذكروا أليك غينيس في دور "الرجل ذو البدلة البيضاء". هنا، يؤدي إيوان ماكجريجور هذا الدور، بشخصية الدكتور ألفريد جونز، خبير سمك السلمون في مصايد الأسماك البريطانية، المعروف ليس فقط بمعرفته الواسعة، بل أيضًا ببعض طعوم الصيد الشهيرة التي صممها. قد يبدو الأمر قاسيًا بعض الشيء أن يدرس سمك السلمون ويصطاده، لكنه شابٌ ودود يجد نفسه متورطًا في مشكلة كبيرة عندما يضع شيخٌ خطةً لنقل هوايته المفضلة إلى موطنه في الشرق الأوسط.
باختصار، ينوي الشيخ بناء سدٍّ لتحويل نهرٍ عاديٍّ إلى موطنٍ لسمك السلمون ليتكاثر وينمو. ويعتمد على جونز لتزويده بعشرة آلاف سمكة سلمون من مياهٍ أبعد شمالاً. هل سيتأقلم سمك السلمون مع مياه الصحراء؟ بالنسبة له، إما أن ينجو أو يغرق.
الشيخ محمد (عمرو واكد) رجل ثري للغاية، يبدو أن اهتمامه الوحيد في الحياة هو صيد سمك السلمون. من الواضح أنه ينتمي إلى شريحة الواحد بالمئة. يسعى الشيخ إلى الحصول على تعاون الحكومة البريطانية في مشروعه، وهذا يشمل رئيس الوزراء، وبالأخص مساعدته الشخصية فائقة النشاط، باتريشيا ماكسويل (كريستين سكوت توماس). ضمن فريق الشيخ، هارييت تشيتوود-تالوت (إميلي بلانت)، التي تم توظيفها لإدارة التفاصيل المالية من الجانب اليمني. مهمتها هي توقيع عقد مع ألفريد.
لو كنتُ مواطنًا يمنيًا فقيرًا أكافح لإطعام عائلتي، لما وجدتُ هذا المشروع جذابًا، بل إن الإرهابيين يتربصون بالشيخ، حتى أنهم فجروا سدًا لإغراقه. كان رد فعل الشيخ على محاولات اغتياله خيبة أمل: "ظنوا أن الأمر كله يتعلق بالسمك!" حسنًا، ظن الكثير من جمهور الفيلم أيضًا. يبدو أن دوافعه نبيلة وطيبة.
يبدو أن الدكتور جونز والسيدة تشيتوود-تالوت سيقعان في الحب من النظرة الأولى. لكن هذا الأمر يُشكّل عائقًا، فهي مخطوبة لروبرت، الجندي (توم ميسون) المفقود في المعركة، بينما الدكتور جونز متزوج من ماري (راشيل ستيرلينغ). يحاول ألفريد وهارييت الحفاظ على مسافة محترمة، وهو أمر ليس بالسهل، في حين تظهر باتريشيا ماكسويل، بملابسها غير المناسبة، في زيارة استطلاعية لمشروع يُحتمل أن يكون الأكبر في المنطقة.
قد يبدو هذا الفيلم مضحكًا للوهلة الأولى، وربما يكون كذلك لو كان بين يدي رواد الكوميديا البريطانية الكلاسيكية. لكن لسوء الحظ، المخرج هو السويدي لاسه ("شوكولاتة")، الذي يراه قصة حب دافئة، ولا يستغل غرائبها الغنية. الشيخ تحديدًا لغز محير. هل هو موظف حكومي، أم هاوٍ أحمق، أم رجل ثري مدلل، أم جوهر غامض؟ لقد أصبحت السياسة في الشرق الأوسط حساسة للغاية لدرجة أن هالستروم والكاتب سيمون بوفوي تجنبا جعله شخصية كوميدية على الإطلاق.
ما تبقى هو قصة الحب، التي تتمايل على أنغام موسيقى داريو ماريانيلي العاطفية. لكن الفيلم في النهاية فرصة ضائعة، بنهاية سعيدة مبتذلة. يبدو أن كريستين سكوت توماس، بصفتها العميلة فائقة النشاط لرئيس الوزراء، هي الوحيدة التي تفهم أنها في عمل كوميدي.
يتميز الفيلم بتصويره البديع، حيث يجسد المناظر الطبيعية المتباينة بين اسكتلندا واليمن بمشاهد آسرة. وتُعدّ مشاهد صيد السمك ساحرةً بشكلٍ خاص، إذ تغمر المشاهد بجمال الطبيعة الهادئ.
يتناول فيلم "صيد سمك السلمون في اليمن" أيضًا قضايا سياسية، مستكشفًا قوة الإيمان والتفاؤل والسعي وراء الأحلام في خضمّ المشهد السياسي العالمي. ينسج الفيلم هذه القضايا بسلاسة في سياق السرد، دون أن يطغى على جوهر القصة المؤثر. ومن هنا جاءت الرغبة في تقديم هذا الفيلم ضمن هذه السلسلة؛ لأنه يذهب إلى الشرق الأوسط من زاوية العلاقات الإنسانية التي تحكم الغرب بالشرق الأوسط، ولو حتى من خلال رياضة صيد السلمون.
قد يجد البعض فكرة صيد سمك السلمون في بيئة صحراوية غير واقعية، إلا أن أسلوب الفيلم الساحر والمليء بالمشاعر يضمن للمشاهدين أن يتغاضوا عن عدم تصديقهم ويستمتعوا بسحر السرد. قد يتبادر إلى الذهن بعض المقارنات مع أفلام مثل "حقل الأحلام" أو "هولوغرام للملك"، أو حتى "حديقة الديناصورات".
باختصار، فيلم "صيد سمك السلمون في اليمن" فيلمٌ ممتعٌ ومُبهج، يحتفي بقوة الروابط الإنسانية والقدرة على تخطي الصعاب في سبيل تحقيق ما هو استثنائي. بفضل أداء الممثلين المتميز، والتصوير السينمائي الرائع، والقصة الآسرة، يترك الفيلم انطباعًا عميقًا يبقى في الذاكرة طويلاً بعد انتهاء العرض. سواء كنت من محبي الكوميديا الرومانسية أو تستمتع ببساطة بالقصص المؤثرة، فإن مشاهدة هذا الفيلم متعةٌ حقيقية.
ونخلص.. فيلم "صيد سمك السلمون في اليمن" يقدم الشرق الأوسط بصورة مغايرة وأصيلة.
