استمرار التباين في المواقف يعزز الاعتقاد بأن الحرب قد تستمر لفترة أطول
حسام عايش: أسعار النفط تكشف مزاج الحرب... بين استمرارها وقرب نهايتها
عودة إنتاج النفط إلى طبيعته بعد أي استهداف قد تحتاج إلى أشهر طويلة وهذا سيناريو مقلق للاقتصاد العالمي
قال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن ارتفاع أسعار النفط وانخفاضها يعكس حالة التشاؤم والتفاؤل في الأسواق العالمية، مشيرًا إلى أن ارتفاع الأسعار عادة ما يرتبط بتزايد المخاوف من استمرار الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، في حين أن انخفاضها يعبر عن حالة ترقب إيجابية لاحتمالات قرب انتهاء العمليات العسكرية.
وأضاف عايش أن تحركات أسعار النفط في الفترة الأخيرة جاءت على وقع تصريحات صادرة عن الرئيس الأمريكي أو مسؤولين في الإدارة الأمريكية، إلى جانب تسريبات إعلامية مختلفة، الأمر الذي جعل الأسواق تتفاعل سريعًا مع أي إشارة سياسية أو عسكرية. وبيّن أن إيران دخلت أيضًا على خط التأثير في أسعار النفط، حيث باتت التطورات الميدانية تنعكس مباشرة على حركة الأسعار.
وأشار إلى أن منع مرور سفن نقل النفط عبر مضيق هرمز أسهم بشكل كبير في حالة القلق التي تشهدها الأسواق، موضحًا أن هذا المضيق يمر عبره ما يقارب 20 % من الإمدادات النفطية اليومية في العالم. وأكد أن أي تعطيل لحركة الملاحة فيه يخلق حالة غير مسبوقة من التوتر في الأسواق العالمية، خصوصًا إذا ما طال أمد الأزمة أو استمرت الحرب.
وأوضح عايش أن حالة التفاؤل أو التشاؤم في أسواق الطاقة لا ترتبط فقط بمستويات الإمدادات النفطية، بل أيضًا بسير العمليات العسكرية واحتمالات توقفها، لافتًا إلى أن أي توقف في الأعمال العسكرية يعني عودة تدريجية لحركة نقل النفط عبر مضيق هرمز.
وفي جانب آخر، أشار إلى أن بعض التصريحات الصادرة عن الرئيس الأمريكي في أحيان كثيرة تكون غير دقيقة أو غير واضحة للأسواق، ما يوجه رسائل سلبية تؤثر على أسعار السلع المختلفة، بما في ذلك النفط والذهب بوصفه ملاذًا آمنًا، إضافة إلى تأثيرها على سعر الدولار مقابل العملات الأخرى.
وبيّن أن تباين الرسائل الصادرة عن المسؤولين الأمريكيين يعكس أيضًا حالة من عدم وضوح الاتجاهات العامة للحرب، التي قيل في بدايتها إن الولايات المتحدة قادرة على بدئها لكنها ربما لن تستطيع تحديد نهايتها المتوقعة. وأضاف أن الحديث مؤخرًا عن استنفاد الأهداف في إيران واحتمال قرب وقف الحرب يتعارض مع الموقف الإسرائيلي الذي يؤكد أن الحرب ما تزال مستمرة وأن أهدافها لم تتحقق بالكامل.
وأكد عايش أن استمرار هذا التباين في المواقف يعزز الاعتقاد بأن الحرب قد تستمر لفترة أطول، مشيرًا إلى أنه حتى لو أنهت الولايات المتحدة مشاركتها المباشرة في العمليات العسكرية، فإن إيران قد تواصل إعاقة حركة الشحن في مضيق هرمز في ظل العقوبات والحصار المفروض عليها.
وأوضح أن طهران قد تشترط لعودة الأوضاع إلى طبيعتها في المضيق رفع العقوبات المفروضة عليها أو على الأقل تخفيفها، والسماح لها بإقامة علاقات تجارية واقتصادية طبيعية مع الدول الأخرى دون فرض عقوبات إضافية. وشدد على أن استمرار العقوبات التي تحد من قدرة إيران على تصدير نفطها قد يدفعها إلى تعطيل تدفق النفط عبر المضيق، ما يؤثر في الأسواق العالمية التي تعتمد على هذا النفط في الصناعة والتجارة وحتى في خفض معدلات التضخم. وأشار عايش إلى أن التقلبات الحادة في أسعار النفط تعكس حجم الضغط الذي يواجهه الاقتصاد العالمي والأسواق المالية والتجارية، إلى جانب صناع السياسات النقدية والمالية في مختلف دول العالم. وأضاف أن هذه التطورات طالت حتى الولايات المتحدة، رغم أنها أكبر منتج للنفط في العالم.
وبيّن أن أسعار النفط داخل الولايات المتحدة نفسها ارتفعت بشكل ملحوظ خلال الفترة الماضية، حيث اقترب سعر خام غرب تكساس من خام برنت ووصل إلى نحو 117 دولارًا قبل أن يتراجع إلى حوالي 90 دولارًا أو أقل بفعل التصريحات المتباينة والتطورات السياسية.
وأشار إلى أن ارتفاع أسعار النفط أثار مخاوف من عودة معدلات التضخم في الولايات المتحدة، وربما تزامن ذلك مع تباطؤ اقتصادي، ولفت عايش إلى أن هذه المخاوف تعيد إلى الأذهان ما حدث عقب حظر النفط العربي بعد حرب تشرين عام 1973، حين دخل الاقتصاد العالمي في حالة ركود تضخمي استمرت آثارها حتى ثمانينيات القرن الماضي وارتفعت خلالها أسعار الفائدة إلى مستويات غير مسبوقة.
وأكد أن المخاوف الحالية تتمثل في احتمال عودة مثل هذه الحالة الاقتصادية، بما قد ينعكس على الوضع السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي وما قد تحمله من تداعيات سياسية على الإدارة الأمريكية. وشدد عايش على أن تداخل العوامل الاقتصادية والسياسية والعسكرية يجعل المشهد أكثر تعقيدًا، مشيرًا إلى أن الإدارة الأمريكية قد تعيد النظر في مسار الحرب إذا ما شعرت بأن تداعياتها الاقتصادية والسياسية باتت تنعكس سلبًا على الداخل الأمريكي. وأضاف أن الأسواق النفطية تحاول من خلال تقلب الأسعار التعبير عن تكلفة التصعيد العسكري، كما تتفاعل إيجابيًا مع أي مؤشرات على تهدئة أو وقف العمليات العسكرية، وأكد أن استمرار الحرب لفترة أطول سيجعل الاقتصاد العالمي يدفع ثمنًا أكبر لتداعياتها، كما سيطيل مدة التعافي من الصدمة الاقتصادية التي تسببت بها.
وأشار إلى أن القلق الأكبر عالميًا يتمثل في احتمال استهداف المنشآت النفطية وحقول النفط والغاز، وهو سيناريو قد يؤدي إلى تعطيل الإمدادات بشكل كامل، وليس مجرد تعطيل المرور في المضائق.
واختتم عايش حديثه بالتأكيد على أن العالم يسعى إلى تقليص مدة الحرب حفاظًا على الحقول والمنشآت النفطية من التدمير المتبادل، محذرًا من أن عودة إنتاج النفط إلى طبيعته بعد أي استهداف قد تحتاج إلى أشهر طويلة، وهو ما يشكل سيناريو مقلقًا للاقتصاد العالمي.
