لم ألتفت كثيرًا للذين يروجون لفكرة “نهاية التعليم”، وأن ما حدث من تطور تكنولوجي حاسم خلال الألفية الحالية يراه البعض يكفي، وهؤلاء “البعض” هم الذين يروجون لأفكار افتراضية أخطرها وأكثرها ضراوة هي فكرة إلغاء الجامعات، وكأنهم يريدون أن يبعثوا برسالة تنبؤية عن “نهاية الكون”.
قبل أسابيع ذهبت إحدى الرحلات “الإلكترونية” إلى القمر، وقامت بتصوير كواكب المجموعة الشمسية ومن بينها الأرض، ولحسن الطالع أنني تابعت على المواقع الإلكترونية المتحركة صور الفيديو التي تم تسجيلها لكوكب الأرض وهو يقترب بتماس عبقري مع سطح القمر، لم يكن مثلما يبدو الأمر في الصورة التي ليست مصنوعة بكل تأكيد بالذكاء الاصطناعي أن القمر كان أقل جمالاً، بضعة صخور يمشي فوقها “الروبوت” ويقوم بتصوير كل شيء.
وأنا أشاهد القمر، وجدت كوكبًا أزرقًا في منتهى الخفة والجمال وروعة الخالق وهو يمر بجوار القمر ضمن كواكب المجموعة الشمسية الأخرى، الفرق كان شاسعًا بين هذا الكوكب الكروي الجميل، وبين مختلف الكائنات والأجرام السماوية الأخرى، شاهدت سيدة الكواكب “الأرض”، وقد أحسن الله خلقه فيها، وهي تختال في حركة دائرية حانية بين مختلف الكواكب، وتقترب بتمايل رشيق من القمر وكأنها هي القمر، والقمر يبدو عليه القلق من جمال الأرض.
كانت القارات السبع واضحة وضوح الشمس، وجميعها ملفوفة بغلاف مائي أزرق أشبه بالجنة التي تجري من تحتها وفوقها الأنهار، وكنت شديد الانبهار بالعِلم الذي كشف لنا من خارج الجاذبية كيف يمكن أن نرى أنفسنا من بعيد، وكيف يمكن أن نضيف إلى فخرنا بأنفسنا فخرًا لا تخفت جمالياته، ولا تهدأ مفاتنه.
هذه الأرض التي خلقها الله سبحانه وتعالى لنا، وتلك هي التكنولوجيا التي سهلت علينا معرفة حقيقة كوننا التي يبشر المهووسون بنهايتها عاجلاً أم آجلاً. هنا تخرج فئة من “العدميين الجدد” لتحاول أن تبيع علينا فكرة الوجود المُفضي إلى اللاوجود، والبدايات التي ترتبط حتمًا بالنهايات، عملاً بالكلمة المأثورة: “إن لكل بداية نهاية”، حتى الكون غير المعروفة بدايته يذهب “العدميون” للتخمين ووضع النظريات، وافتراض البلاء وتحديد موعدًا له، سواء عن طريق نهاية التعليم كخط نهاية أول، أو من خلال مفاجآت من الطبيعة الكارثية المرتبطة بالزلازل العملاقة والبراكين الشرسة، والتسونامي الكاسح للقارات.
أما الذين يروجون لنهاية العِلم، وانتهاء التعليم والتعلم، وإلغاء الجامعات، فهم الافتراضيون المبالغون في خيالاتهم، والمتمادون على النِّعَم التي وهبها الخالق لنا. إلى أولئك وهولاء أقول: “ما أُوتيتُم من العِلمِ إلَّا قليلاً”، وأن كل التقدم الذي نراه لا ولن يكفي، وأن التكنولوجيا السحابية التي تأخذنا من زمن إلى آخر، ومن عالم منتمي إلى عوالم ليست منتمية، ما هي إلا نظريات تعود في زمانها ومكانها إلى فريق من الباحثين الميتافيزيائيين الذين يروجون لفكرة جديدة قديمة مفادها: “الربط بين القيامة ونهاية الكون”.
رغم ذلك، لا يمكن لنا كأكاديميين أن نستسلم لهذه الأفكار العدمية، لأن التقدم العلمي مازال أمامه الكثير الذي مهما حقق من ابتكار وإبداع، ومهما تجلى في إنجازات لم يسبق لها مثيل، إلا أن حقائق الحياة مازالت تحتاج من أصحاب العقول أو أولي الألباب ما يؤدي إلى القضاء على الفقر والجهل والأمراض والأوبئة، وأن العِلم الذي يستكثره علينا “البعض” ما هو إلا بداية طريق طويل لعلاج ما هو أخطر، وتحسين ظروف ما هو أدنى، وإضافة علوم لا يمكن أن نقول عنها إلا جملة اعتراضية واحدة: إن ما خُفِيَ هو أعظم.
* الرئيس المؤسس رئيس مجلس أمناء الجامعة الأهلية