+A
A-

“القطايف” وحكاية ألف عام

مع اقتراب غروب شمس كل يوم رمضاني، يتكرر مشهد سينمائي في شوارع المدن العربية؛ طوابير تصطف أمام صاج ساخن، وعجين ينسكب بدقة ليشكل دوائر ذهبية تفوح منها رائحة الحنين. إنها “القطايف”، الحلوى التي لم تكن يومًا مجرد طبق للتحلية، بل هي وثيقة تاريخية حية تسرد قصة الحضارة العربية من دمشق الأموية إلى قاهرة المعز، ومن قصور الأندلس إلى حواري القدس وبيروت.

تتضارب الروايات التاريخية حول شهادة ميلادها، لكن الأرجح أنها أبصرت النور في أواخر العهد الأموي أو بدايات العصر العباسي، لتنضج وتتأنق في العصر الفاطمي والمملوكي. ويقال إن اسمها استُمِدّ من ملمسها الناعم الذي يشبه “قماش القطيفة”، أو من طقس تقديمها في المناسبات الكبرى، حيث كانت توضع في أطباق ضخمة يتسابق الضيوف لقطفها بأصابعهم لشدة لذتها، فصارت “القطايف” رفيقة “المقاطفة” والمؤانسة.

ولم تكن القطايف غائبة عن مجالس الأدب والسياسة؛ فقد تبارى الشعراء في وصفها والتغني بحشواتها من مكسرات وقشدة، بل وصل الأمر ببعض العلماء والفقهاء لكتابة رسائل تتناولها حين كانت أسعارها تثير جدلاً اجتماعياً في الأسواق القديمة. ويروى أن الأندلس كانت إحدى المحطات الأولى التي شهدت ولعاً بهذه الفطائر، قبل أن تنتقل مع الرحالة والعلماء لتصبح “أيقونة” رمضانية لا يكتمل نهار الصائم ولا يطيب ليله بدونها.

ورغم تطور العصور وظهور حلويات “المودرن”، تظل القطايف صامدة بسحرها الخاص. ففي تلك اللحظة التي يخرج فيها قرص العجين ساخنًا من يد الصانع، وتصطف حوله أيادي الأطفال المتحمسة، تتجسد روح رمضان الحقيقية.
ترتبط القطايف بأجواء الشهر الفضيل، إذ تنتشر في الأسواق الشعبية والمخابز قبيل أذان المغرب، ويحرص كثيرون على شرائها طازجة يوميًّا، ما جعلها رمزًا من رموز رمضان في الخليج.