العدد 6333
الأحد 15 فبراير 2026
وما تنفقوا من خير فلأنفسكم
الأحد 15 فبراير 2026

يأتي شهر رمضان المبارك ليوقظ في النفوس أسمى معاني الرحمة والرأفة، ويضع الإنسان أمام مسؤوليته الأخلاقية والإنسانية تجاه الأسر المتعففة التي تخفي حاجتها خلف ستار الكرامة والصبر. ففي هذا الشهر الفضيل، لا تكتمل فرحة الصيام والقيام إلا حين تمتد الأيدي بالعطاء الخالص، وتُمسح دموع المحتاجين برفقٍ لا يُهين، وعونٍ لا يُشعر بالنقص.
لقد جعل الإسلام الرحمة أساسًا للتكافل الاجتماعي، قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)، فجعل التعاون على الخير عبادة، وإغاثة المحتاج قربى إلى الله. وفي موضع آخر يقول سبحانه: (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ)، ليؤكد أن العطاء عائد أولًا وأخيرًا على صاحبه، طُهرًا للنفس ونماءً للروح. أما الرسول ﷺ، فقد جسّد أسمى صور الرأفة، وكان أجود الناس، ويزداد جوده في رمضان، حتى وُصف عطاؤه بأنه “أجود بالخير من الريح المرسلة”. وقال ﷺ: “الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”، وهو توجيه صريح بأن الرحمة طريق لنيل رحمة الله. وسار الصحابة على هذا النهج، وفي مقدمتهم الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي كان يقول: “لو أن بغلة عثرت في العراق لسُئل عنها عمر: لِمَ لمْ تُسوّ لها الطريق؟”، فكيف بإنسان يتألم من الجوع أو الحاجة؟ وكان رضي الله عنه يتفقد بيوت الأرامل والفقراء ليلًا، حاملًا الطعام، رافضًا أن يُكلف غيره بما كلفه الله من مسؤولية.
إن الرأفة بالأسر المتعففة في رمضان ليست صدقة عابرة، بل ثقافة إيمانية، تُشيع الرحمة في المجتمع، وتُرسخ معنى الأخوّة الحقيقية. فطوبى لمن جعل من رمضان موسمًا للعطاء، ومن الرحمة نهجًا لا ينتهي بانتهاء الشهر، بل يمتد ليكون أسلوب حياة.
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .