العدد 6327
الإثنين 09 فبراير 2026
سارق الوقت والعمر... الهاتف الذكي وتفتيت الأسرة والحياة
الإثنين 09 فبراير 2026

أصبحت الكتابة هذه الأيام عسيرة جدًّا بسبب هيمنة الفيديوهات والمرئيات بكثرة على عوالم البشر، فالكل جالس وفي يده جهاز التلفون، كبارا وصغارا، أغنياء أم غير ذلك من متوسطي أو منخفضي الدخل.
واتحد الجميع في هذه الدنيا على أن يكون هذا الجهاز شغلهم الشاغل في كل المناسبات والأوقات والأماكن، برا وبحرا في العمل أو في غيره! وحتى مع أجمل الناس وفي حميمية اللقاء قد يرن ذلك الجهاز! ودائما وأبدا لابد من أن يأخذ الانتباه! حتى ولو كان لإسكاته، فهو الفائز والمسيطر دائما. وما هي النتيجة لكل ذلك الاختطاف من قِبَل جهازٍ بقدر حجم اليد؟! هل أصبح هذا الجهاز يشكل خطورة حقيقية في حياتنا؟
لقد قام علماء النفس بدراساتٍ أثبتت حقائق حوله، وبأن تأثيراته رهيبة على العقل والإدراك والذات والذكاء.. إلخ، والتي قد تستهلك الصفحات، ولكنني سأحاول  تلخيص بعضها شديد الأهمية في هذه المقالةّ. إن الإشعارات المتواصلة منه والمحتوى السريع يجعلان الدماغ يطلب المزيد من تلك الجرعات، والتي تشابه الإدمان، والتي تنتهي بالتشتت وعدم التركيز عند الصغار والكبار، وذلك في التعود على المحتوى القصير والسريع بحيث يصعب عليهم بعد مدة قراءة الكتاب المدرسي والقصة أو التركيز الجيد في ما يدور حولهم لفتراتٍ طويلة، خصوصا عند الأطفال. ثانيا إدمان الشاشة والانفعال حين الابتعاد عنها والإصابة بالتوتر والصراخ، ثالثا تأخر اجتماعي وضعف في الثقة بالنفس وخوف من التواصل الحقيقي مع الآخرين، رابعاّ التعرض لمحتوى غير مناسب في الكثير من المواقع، والتنمر الذي أدى إلى انتحار الكثير من الشباب والمراهقين وحتى الأطفال أحيانا. 


خامسًا الالتصاق بالشاشة يسرقنا بكثرة الاستثارة المتكررة والمتواصلة، يسرقنا من اللعب والرياضة والضحك ويعكر المزاج، ما يزيد القلق والتوتر ويشتت الأفكار ويؤثر سلبا على الصحة العامة وقلة النوم من كثرة الاستثارة المتكررة.
خامساّ لوحظ ازدياد الآلام الجسدية بالرقبة والكتف والظهر، وقد تصبح آلاما مزمنة يصعب علاجها، علاوة على الشراهة في الأكل، خصوصا في الوجبات السريعة والتي تؤدي بالتالي إلى السمنة الزائدة، إضافة إلى قلة الحركة.
سادسًا إن الميديا ووسائل التواصل تعرض حياة غير واقعية ومفلترة، فتزيد المقارنة وتقلل الرضا عن الحياة، وتؤدي إلى ضعف بالإبداع والانسجام مع ما يدور حولنا بسبب كثرة المعروض على الوضع السريع، وتزيد الحوادث بقلة التركيز ما بين القيادة والنقال.
المهم ما العمل بعد الكلام عن معظم مساوئ هذا الجهاز اللعين هنا، وهل سنرمي كل أحزاننا وصراعاتنا مع النقال على مساوئه فقط ونستسلم؟ أم سنستخدم عقولنا وثقافتنا في أن نحرص على الأخذ بحسناته المتجددة لحل مشاكلنا اليومية، فالهاتف لم يعد وسيلة اتصال فقط.. نحن أمام جهازٍ صُمم لابتلاع الوقت والانتباه وأداة ترفيه، ومحتوى، واقتصاد، قائم على جذب العين وتطبيع التشتت كما ذكرت، وهو يعمل ضد حقوق الإنسان الذهنيةّ في حقه من الهدوء والتركيز، ويستهلك إنسانيّة الإنسان بالتدريج، وأصبحنا نقرأ ونصغي أقل ومع علاقاتٍ تتآكل وتتداعى بصمت ما بين أفراد العائلة الواحدة، خصوصاّ والبعد عن الأصدقاء، فقد يجلس خمسة من أفراد العائلة في حجرة واحدة وهم صامتون دون حراك ٍأو كلام فيما بينهم لمددٍ طويلة، ما أذاب لذة الحياة من التجمع والحميمية العائلية.
ولا يسعني التوقف عن السيئات سوى أن نختتم بنهاية القول إننا أصبحنا نركض أكثر وننجز أقل ونشعر بفراغٍ أكبر... فما هو الحل إذا؟ 
أقول نحن لا نحتاج هاتفا أذكى!! بل نحتاج إنسانا أذكى في استخدامه! وكراهية التكنولوجيا ليست حلا، بل في وضعها في مكانها الصحيح.
نحن نحتاج أن نستجمع شجاعتنا بأن نسكت الإشعارات، ونضع أوقاتا بلا شاشة
ونسترجع النوم، والحركة، والقراءة، والجلوس الحقيقي، مع الناس، ونعود للعلاقات العائلية الحميمية وصحبة الأصدقاء من جديد، لأن أخطر ما فعله الهاتف ليس أنه سرق وقتنا فقط، بل جعلنا نعتقد أن كل هذا طبيعي.
وأن نؤخر إعطاء أطفالنا هاتفا نقالا قدر الإمكان، وأن نصدر قوانين لمنع السوشال ميديا للأطفال دون الخامسة عشرة مثل فرنسا وسلوڤينيا ودول كثيرة تسعى لذلك وستفعله.

كاتبة وأكاديمية بحرينية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية