+A
A-

تفاؤل حذر وخطوط حمراء.. ماذا بعد جولة مسقط الأميركية - الإيرانية؟

بين مسقط وواشنطن وطهران، خرجت الجولة الأولى من المفاوضات الأميركية - الإيرانية بإشارات متناقضة تعكس طبيعة المشهد الإقليمي والدولي في هذه المرحلة الحساسة؛ فبينما فُتحت نافذة دبلوماسية محدودة بعد أشهر من القطيعة والتصعيد، بقيت لغة التهديد حاضرة بقوة، لتؤكد أن المسار التفاوضي ما زال هشا ومحكوما بتوازن دقيق بين السياسة والقوة.

المحادثات غير المباشرة التي عُقدت في سلطنة عُمان شكّلت أول تواصل من نوعه منذ حرب يونيو 2025 التي استمرت 12 يوما، وأسفرت عن ضربات أميركية وإسرائيلية استهدفت منشآت داخل إيران، وردود إيرانية صاروخية ومسيّرة. وعلى رغم رمزية المصافحة المباشرة بين الوفدين، فإنها لم تغيّر من حقيقة أن الخلافات الجوهرية ما تزال قائمة. الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصف المحادثات بـ “الجيدة جدا”، مؤكدا أن إيران ترغب في التوصل إلى اتفاق، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن طهران لن تمتلك سلاحا نوويا، ملوّحا بعواقب وخيمة للغاية في حال فشل التفاهم. هذا الموقف عكس معادلة أميركية واضحة: دبلوماسية مشروطة، مدعومة بحضور عسكري متقدم في المنطقة، ورسائل ردع لا تنفصل عن طاولة التفاوض. في المقابل، سعت طهران إلى تثبيت خطوطها الحمراء. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اعتبر جولة مسقط بداية جيدة لكنها غير حاسمة، مؤكدا أن التخصيب حق غير قابل للتصرف، وأن فكرة “صفر تخصيب” خارج أي نقاش. وأبدت إيران استعدادها لصيغ مطمئنة تقنيا، سواء عبر تحديد مستويات التخصيب أو من خلال مقترحات كالاتحاد الإقليمي، مع رفض قاطع لإخراج اليورانيوم المخصب من البلاد.

وفيما حاولت واشنطن الإيحاء بإمكان توسيع جدول الأعمال ليشمل الصواريخ والدور الإقليمي، قطع عراقجي الطريق على هذا الطرح، واصفا البرنامج الصاروخي بأنه دفاعي بحت وغير قابل للتفاوض.

بالتوازي، حملت التصريحات الإيرانية نبرة تصعيدية محسوبة؛ إذ لوّحت باستهداف القواعد الأميركية في المنطقة في حال التعرض لهجوم، مع تأكيد عدم استهداف الجوار. إسرائيليا، ساد تشكيك واضح في جدوى مفاوضات مسقط، وسط ضغوط لإدراج الصواريخ ودعم الحلفاء ضمن أي اتفاق محتمل، وهو ما يزيد تعقيد المشهد. أما في واشنطن، فثمّة إدراك أن الجولة الأولى لم تكن سوى اختبار للنيات، ومحاولة لكبح الانزلاق نحو مواجهة أوسع.

وبين التفاؤل الحذر والتشاؤم الواقعي، تبدو الجولة المقبلة – إن عُقدت قريبا – محكومة بحسابات الوقت والضغط والعقوبات، وبقدرة الطرفين على الفصل بين منطق الردع ومنطق التسوية. وحتى ذلك الحين، ستبقى الدبلوماسية تسير على حافة دقيقة، إذ إن أي خلل في التوازن قد يعيد المنطقة إلى مربع التصعيد المفتوح.