العدد 6323
الخميس 05 فبراير 2026
تزييف الوعي.. استلاب العقل الجمعي وموت النخب التكنوقراطية
الخميس 05 فبراير 2026

إن المتابع للشأن الإعلامي ومناحي علم النفس السياسي في الآونة الأخيرة؛ يُدرك بما لا يدعُ مجالاً للشك أن ما نستنشقه الآن في عصرنا الحالي تجاوز بمراحل عدة مرحلة “التضليل الإعلامي”، ونسج قضية محورية أكبر من ذلك بكثير؛ قد نجد من الإنصاف أن نطلق عليها “الاغتيال الممنهج للوعي العربي”؛ هذه العملية التي تكالبت عليها أنظمةٌ وأجهزة دولٍ ومنظماتٍ فكريةٍ ونفسيةٍ عالميةٍ بُغيةَ تحقيق الاستئصال الجذري لملكة النقد السياسي؛ واستبدالها ببرمجة سيكولوجية تُحول المواطن العربي إلى “ترس” في آلة لا يملك السيطرة عليها. 
وبصفتي باحثاً في علم النفس السياسي، أرى أننا أمام حالة من “السيولة الفكرية” أو ما يمكن أن نسميها “المياعة” السياسية التي جففت منابع الحركات التنويرية، وأوقفت ماكينة إنتاج “التكنوقراط” لصالح “الغوغائية الرقمية” أو “الترندات الإعلامية”. ولقد كان لنا السبق في تناول تلك الأفكار في ندوةٍ نظمناها وأدرناها في “جمعية ميثاق العمل الوطني” في البحرين منذ فترة ليست بعيدةِ بعنوان “معاً ضد الإعلام المأجور”، استضفنا فيها قياداتٍ فكريةٍ وإعلاميةٍ وسياسيةٍ ونفسيةٍ في تكامل غير مسبوق لتبيان آليات التلاعب التي نحذر منها اليوم والتي تجاوزت “الكذب المفضوح” إلى “الحقائق المشوهة”.
وما نريد أن نلخصه بإيجاز غيرَ مخلٍ بالمضمونِ؛ أن هندسة القلق، التي تسيرُ وفق رؤىً استراتيجية حالية تسعى سعياً حثيثاً لدفع الجماهير العربية لحالةٍ من الرعب الوجودي الدائم؛ لسلبهم القدرة على التفكير الاستراتيجي. 
لأن هذه الكينونة إن وجدت نجحت باقتدارٍ في إفشال المخططات الإسرائيلية العالمية الهادفة للسيطرة العامة على مقدرات الفكر العربي، ومنابع إنتاجه، بل ومراقبة هذا الفكر منذ ميلاده حتى انتشاره وفق أُطرٍ محددةٍ ومدروسةٍ ليحقق أهدافه المرسومة؛ وفق اختياراتٍ منتقاةٍ بعنايةٍ في بيئاتٍ خصبة تسمح له بالترعرع والانتشار.

كما أن الاستقطاب السلوكي الذي يشكل البعد الثاني هنا هو المقصود في العملية السيكوسياسية الهادفة لتحويل المجتمعاتِ إلى جزرٍ معزولةٍ تتصادم غريزياً بدلاً من أن تتكامل فكرياً؛ حيث إن التكامل مفهوم نخبوي يهدف لجمع الشعوبِ العربيةِ على هدفٍ واحدٍ؛ وعقيدة واحدةٍ، وهو ما نادى الإسلام به “فلا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى”، وهذا الأمر كفيل بتحويل المنطقة العربية إلى دولةٍ واحدةٍ ذات منبع واحد، وعقيدة وهدف واحد راسخ.
أما البعد الثالث في عملية التغريب النفسي والهدم الآيديولوجي لمنظومة القيم والأفكار؛ هو تغييب المعنى بمعنى إغراق الناس في تفاهات “الترند” لقتل نهمهم للبحث عن جذور الأزمات؛ وهذا جلي واضح في صناعة التفاهات وتغييب العلم والمنطق والقيمة، وخلق رموزٍ واهيةٍ مستغلين في ذلك العنصر النسائي فارغ المحتوى وبعض أشباه الرجال لإعلاء شأن الرويبضات.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن.. أين نحن من أدوات هذه المعركة؟ وما هي خططنا الاستراتيجية لدحض هذا الفكر الهدّام؟
ما ينبغي أن يدركه الساسةَ وعلماء السياسية والنفسِ ان تدرعنا اليوم يجب أن يكون بـ “المناعة الفكرية” والتصلب الروحي؛ وهي القدرة على تفكيك بنية الخطاب قبل اعتناقه، والتحلي بـ “اليقظة الاستراتيجية السيكولوجية” التي تُفرق بين المعلومةِ والبروباغندا الإعلامية اللاهية.
ولهذا وجدت أن دوري الذي يحتمه علي إيماني بعقيدتي العربية؛ ووحدتي القومية، أن أوجه نداءً استنهاضياً صارخاً إلى قياداتٍ فكريةٍ ونفسيةٍ ودينيةٍ وسياسيةٍ في المقام الأول والأوحد.
ورسالتي الأولى إلى علماء النفس وأخص منهم التحليل النفسي الإكلينكي وعلم النفس السياسي، كفى وقوفاً على الحياد! دوركم الحقيقي ليس في الغرف المغلقة، بل في النزول إلى ميدان الوعي، وتفكيك سيكولوجية الانقياد التي تفتك بعقول الشباب، دوركم الحقيقي هو التصدي لمعارك الهدم ومعاول تفتيت القيم، دوركم في بناء منظومةِ القيمِ والصحةِ النفسيةِ فأنتم لبنةَ الحياةِ الأولى.
والرسالة الثانية أوجهها إلى منابر المساجد والدعاة والخطباء، أقول لهم الدينُ شريعة تطبيقٍ ووعيٍ واستخلاص دروس وعبر، الدينُ قضية محورية لا تمييع فيها، لذا فأين دوركم في صيانة “جوهر الإنسان” وحمايته من الاستلاب؟ أين دوركم في إعادة استنهاض الأمة بدلاً من الغثاء الذي نحيى فيه، لابد من استعادةِ المنبر كأداةٍ للنهوض بالوعي وتزكية العقول، لا مجرد ترديد للماضي بمعزلٍ عن تحديات العصر حتى بات الجميع يتندر عليكم لأنكم فقدتم الريادة والسيادة في المناظرات العلمية لفقدكم أدوات البحث العلمي والتكنولوجيا الرقمية المعاصرة.
ورسالتي الأخيرة إلى المفكرين والساسة وعلماء السياسة، لماذا جففتم منابع التنوير؟ ولماذا استقالت النخب عن دورها الطليعي؟ أين الفكر السياسي الناقد الحر، ليس بالضرورة أن تكون الحركات السياسية سيفاً في خاصرة الحكومات، أو طعنةً من الغرب في عنق السياسات المحلية؛ المعارضة الحقة هي نبض الأوطان، هي الحارس الحقيقي، والجيش الفكري الأمين لمعتقدات الوطن وفكره وتراثه، لا يمكن للمعارضة أن تنسلخ عن الدولة فالمعارضة هي السلطة السادسة في الدول لأنها تملك زمام أمرها وتنافح عن مجتمعاتها بوعيها ودمائها. 
إن التحدي الحقيقي هو إعادة إنتاج “تكنوقراط العقول” التي تجمع بين المهارة التقنية والوعي الإنساني العميق القائم على النمذجة الحقيقية واستنساخ العقول النابضة بالسياسة والفكر ومنظومة الدين والأخلاق.
إننا بحاجة إلى “ثورة في المفاهيم” تُعيد للمسجد دوره التنويري، وللجامعة دورها القيادي، وللمثقف دوره كحائط صد ضد التزييف.
أسألكم بصدق المفكر الباحث: هل مازلنا نملك القدرة على ترميم عقولنا، أم أن “النظام العالمي” أحكم قبضته على أفكارنا وخلجات صدورنا؟ وكيف نُحيي في وجداننا تلك الجذوة التي انطفأت وأوقفت إنتاج العظماء والمفكرين؟.


خبير في شؤون الإعلام والوعي الاستراتيجي 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .