رجال أعمال واقتصاديون عمانيون وبحرينيون في حلقة “البلاد” الحوارية الاقتصادية:
“التكامل الاقتصادي” و“تنويع الدخل” لضمان استقرار ومستقبل دول مجلس التعاون
استضافت صحيفة “البلاد” في مقرها ندوة حوارية موسعة تحت عنوان “اقتصاد دول مجلس التعاون.. إلى أين؟”، جمعت نخبة من المسؤولين السابقين ورجال الأعمال والمفكرين الاقتصاديين من مملكة البحرين وسلطنة عمان، إذ فتح المشاركون ملفات شائكة ومعقدة تتعلق بمستقبل المنطقة الاقتصادي، بدءا من أزمة الشركات العائلية، مرورا بتحديات سوق العمل والضرائب، ووصولا إلى تعقيدات التكامل الخليجي ومقارنته بالتجارب العالمية، مع تسليط الضوء بشكل تفصيلي على قصة النجاح العمانية في إدارة الدين العام.
تجربة عُمانية باهرة في خفض الدين العام ومضاعفة التصنيف السيادي
تسريع “التكامل” وتعزيز “الصناعات الوطنية” ركيزتا العبور الآمن لما بعد النفط
دعوة لتفعيل مشروع التأشيرة السياحية الموحدة والربط بالسكك الحديدية
تحذيرات من الاعتماد المفرط على الضرائب دون مراعاة الوضع الاجتماعي
للاستفادة من التجربة الكورية في تغيير عقلية الشعوب نحو الإنتاج الصناعي
الشركات العائلية
واستهل رئيس مجلس إدارة صحيفة “البلاد” عبدالنبي الشعلة، الحوار بطرح إشكالية الشركات العائلية والقناعات التي تحتاج لتغيير، مشددا على أن الاقتصاد لا يعتمد فقط على النفط، بل على رجال الأعمال ونشاطهم، وتداخل الرئيس الأسبق لاتحاد الغرف الخليجية وغرفة تجارة وصناعة عمان خليل الخنجي، متسائلا عن تصنيف الشركات العائلية وإن كان يرتبط بحجم المباني أو التأسيس، ليجيبه الشعلة بأن المعيار هو حجم العمل والإنتاج، مشيرا إلى أن العديد من الآباء المؤسسين بدأوا يتنحون ليفسحوا المجال للأبناء، مستعرضا تجربة شخصية في تدريب الجيل الجديد بالتعاون مع أحد البنوك الهندية المعروفة في فرعه بباريس، إذ تم إرسال عشرة من أبناء عوائل تجارية في دورة مكثفة لتعليمهم كيفية تبادل الأفكار وبناء الصفقات المستقبلية، مؤكدا أن الهدف هو تطوير منصة تتيح للشباب العمل المشترك.
وعقب الخنجي بأن هناك اهتماما حكوميا بالشركات العائلية، لكن المفاهيم اختلطت، مستشهدا بشركة تجزئة معروفة في الخليج تحولت إلى مساهمة عامة على الرغم من صبغتها العائلية، وتساءل الكاتب العماني خلفان الطوقي عما إذا كانت الشركات البحرينية قد طرحت للاكتتاب العام، ليؤكد الخنجي أن الاتجاه في الإمارات وعمان يسير نحو تحويل الشركات العائلية إلى مساهمة، ذاكرا شركات عمانية عريقة مثل “جلفار” و “الحسن” طرحت أسهمها، لكنه نبه إلى أن التجربة لم تكن ناجحة دائما، فبمجرد خروج الشركة من عباءة المؤسس والعائلة إلى السوق العام، واجهت تحديات أدت في بعض الحالات، كما حدث بعض الشركات، إلى تراجع أدائها مع تسليم الإدارة خارج العائلة.
وفي سياق متصل، أشار الشعلة إلى خطورة طرح الشركات العائلية في السوق دون جهوزية، مستذكرا شركة بحرينية تمت إزالتها من السوق في اليوم السابق للندوة، إذ اشترى الناس الأسهم بحماسة بناء على سمعة العائلة، لكن السعر تدهور لاحقا وتم شطبها، وهنا تدخل الأمين العام الأسبق لاتحاد الغرف الخليجية عبدالرحيم نقي، مشيرا إلى كتاب يوثق قصة “شركة جاسم الزياني” وكيف تغيرت تركيبتها في الجيل الثاني، عادا إياها مادة دسمة للدراسة وأخذ العبر.
وعاد الخنجي ليؤكد أن الغرف التجارية كانت تدار سابقا من قبل العائلات التجارية الكبرى وكانت لها هيبة ومكانة، ولكن مع تغير الأنظمة ودخول الانتخابات، تغيرت الديناميكية.

مخاطر الاعتماد على النفط
وانتقل الحوار إلى المحور الجيوسياسي والاقتصادي المستقبلي، حيث طرح الشعلة تساؤلات عن رؤى 2030 و2040 و2050، ومدى تأثير التفكك العالمي الذي يضرب تكتلات كبرى، مثل حلف “الناتو” والاتحاد الأوروبي، على مجلس التعاون الخليجي، محذرا من سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرامية لخفض أسعار النفط عبر زيادة الضخ.
وتداخل رجل الأعمال والكاتب العماني مرتضى حسن ليحذر مما وصفه بـ “المرض الهولندي”، مشددا على أن وفرة الموارد الطبيعية قد تؤدي للكسل والاتكال، منتقدا الاعتماد على القروض الاستهلاكية وثقافة الاستهلاك بدلا من الإنتاج، ومشيرا إلى أن الدول التي لا تملك موارد طبيعية غالبا ما تحقق إنجازات أكبر؛ بسبب اعتمادها على الكفاءة وتقليل التكلفة، وضرب مثالا بالترهل الإداري في بعض الدول حيث أعداد الموظفين تفوق الحاجة الفعلية، داعيا لمحاربة الفساد والبيروقراطية التي تعطل المشروعات، واستغرب من أن المشروعات النوعية تواجه عقبات بينما المشروعات الكمية تمرر بسهولة. وأكد حسن أن التعليم والتدريب هما الأساس لأي نهضة.

توازن حساس
وأشار الشعلة إلى ضرورة توطين الوظائف القيادية والإدارية ذات المردود العالي وليس المهن البسيطة، وعلق عبدالله الهوتي على هذا المحور مشددا على أن الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الإنتاجي في ظل حكومات ملكية وسلطانية يتطلب حذرا شديدا، محذرا من التركيز فقط على ضريبة الدخل والقيمة المضافة كمصادر دخل بديلة؛ لأن ذلك قد يهدد “السلم الاجتماعي” الذي يعد ركيزة الاستقرار في الخليج، مشيرا إلى أن المواطن الخليجي يعيش في ظل توازنات حساسة، وأن القرارات الاقتصادية مرتبطة بشكل وثيق بالوضع الجيوسياسي الذي وصفه بأنه “على كف عفريت”.
وعن المقارنة بين التجربة الخليجية والأوروبية، أوضح عبدالرحيم نقي أن دراسة أجراها مركز للدراسات كشفت عن فرقين جوهريين، الأول أن مجلس التعاون قام لظروف أمنية طارئة بقرار “من فوق إلى تحت”، بينما الاتحاد الأوروبي قام بناء على مصالح اقتصادية وشعبية بقرار “من تحت إلى فوق”، والفرق الآخر أن القرارات الأوروبية ملزمة وتدار مركزيا من بروكسل، بينما القرارات الخليجية استرشادية، ضاربا المثال بتأشيرة “الشنغن” والعملة الموحدة “اليورو” التي التزمت بها الدول تدريجيا على رغم الاختلافات.
وعقب الخنجي بأن مشكلة الخليج تكمن في التنافسية السلبية؛ إذ تتنافس المحافظات داخل الدولة الواحدة على القطاعات المحدودة نفسها، مشيرا إلى أن العالم اليوم يدار برؤى قصيرة المدى لا تتجاوز 3 أو 4 سنوات؛ ما يجعل التخطيط طويل الأمد صعبا في ظل تقلبات أسواق النفط والعملات الرقمية مثل “بيتكوين”، مؤكدا أن تجربة التكامل الخليجي لم تنجح بالشكل المأمول لأن الجميع يتنافس على “نفس الخبزة”.

أهمية القيادة
وفي محور التنمية البشرية والإدارية، تحدث السفير العماني السابق في الولايات المتحدة موسى الطائي عن أهمية نوعية القيادة والسيادة، مشيرا إلى أن المبادرات الفردية للقادة قد تنجح لكنها تظل محدودة إذا لم تتكامل مع الجوار، مستشهدا بتجربة “النمور الآسيوية” وكوريا الجنوبية تحديدا، إذ أوضح أن التحول الكوري لم يكن مجرد قرارات اقتصادية، بل كان تحولا في “عقلية الشعب” الذي انتقل من الزراعة إلى الصناعة عبر نظام تعليمي وتدريبي صارم، وهو ما أكده نقي مشيرا إلى دور رئيس شركة “هيونداي” الذي قاد التغيير بعقلية القطاع الخاص، كما أشاد الطائي بالتجربة العراقية واصفا العراق بأنه من أفضل الدول العربية من حيث المقومات الاقتصادية.
من جهته، لفت الطوقي إلى أن السنوات الثلاث المقبلة ستكون حاسمة للاستفادة من التحديات العالمية، مشيرا إلى أن الخليج استفاد من أزمة كورونا؛ إذ بدأ العالم يسمع عن قوة الصناديق السيادية الخليجية، مؤكدا أن التكامل الخليجي ممكن نظريا لكنه يحتاج لجهود إضافية من أجل تنفيذه، مستدلا بمشروع “التأشيرة السياحية الموحدة” الذي كان مقررا انطلاقه في بداية 2025 وتم تأجيله وسط صمت مطبق.
وأشار رئيس تحرير صحيفة “البلاد” زهير توفيقي إلى تجربة سلطنة عمان في خفض الدين العام التي يشار لها بالبنان، والتي تمثل نموذجا ناجحا لدول المنطقة يمكن الاستفادة منه.
وفي هذا السياق، قدم الكاتب الاقتصادي الطوقي عرضا مفصلا ومسهبا لقصة النجاح العمانية في الملف المالي، موضحا أن السلطنة أطلقت في 2020 “برنامج التوازن المالي” ونجحت في خفض الدين العام من نحو 71 % إلى 34 % في أربع سنوات و6 أشهر فقط، مسددة ما يقارب 7 مليارات ريال، وذلك بالتزامن مع أزمة كورونا وانخفاض أسعار النفط، وكشف الطوقي عن أن هذا الإنجاز تم دون تقليص الإنفاق الحكومي كما يعتقد البعض، بل عبر تعظيم الإيرادات وخفض “خدمة الدين” (الفوائد) بمقدار 250 مليون ريال سنويا عبر استبدال القروض عالية التكلفة بأخرى أقل تكلفة؛ ما دفع وكالات التصنيف الائتماني العالمية لتحسين تصنيف عمان 4 مرات متتالية، معلنا الانتقال إلى مرحلة “الاستدامة المالية” تحت إشراف مباشر من السيد ذي يزن بن هيثم بن طارق آل سعيد، عبر برنامج وطني يضم جميع الجهات الاقتصادية لضمان استمرار هذا النهج حتى العام 2026 وما بعده.

تسريع الربط بين دول التعاون
واختتمت الجلسة بمداخلات ركزت على الحلول، إذ دعا الخنجي للتركيز على نقاط القوة الممكنة مثل الربط الكهربائي والمائي والسكك الحديدية، منتقدا بشدة التأخير في مشاريع الربط بالقطارات التي ستفيد الموانئ داخل وخارج المضيق، كما أبدى استياءه من عدم تفعيل التأشيرة السياحية الموحدة على الرغم من وجود سياحة قوية في المنطقة، واقترح الصحافي في “البلاد” سعيد محمد إنشاء “هيئة للشؤون الاقتصادية والتنموية” تحت مظلة الأمانة العامة لمجلس التعاون، تكون مهمتها استقبال مقترحات الغرف التجارية والقطاع الخاص وتحويلها إلى قرارات نافذة، بدلا من الوضع الحالي إذ تقدم الدراسات والتوصيات لتبقى حبيسة الأدراج سنوات طويلة، ليعلق الخنجي بأن اجتماعات غرف التجارة الخليجية المستمرة منذ 46 عاما، ما تزال تصطدم بحائط “القرارات الاسترشادية” غير الملزمة، لينهي عبدالنبي الشعلة اللقاء بالأمل في أن تشهد السنوات الخمس المقبلة، على الرغم من وجود تحديات مثل عودة ترامب، خطوات تنفيذية سريعة للتكامل الخليجي الحقيقي.

