يجب أن نعترف بأن الديمقراطية حول العالم تعاني اليوم نوعًا من الهشاشة نتيجة التأثير المتزايد للحركات الشعبوية، والاستقطاب السياسي، والتأثير الكاسح لوسائل الإعلام الاجتماعي واتساع مساحة التضليل في المجتمعات المنقسمة، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. وهذا الأمر بات واضحا وأصبح هناك خوف على الديمقراطية وكيفية ضمان استمرارها أكثر من المناداة بنشرها في العالم.
ومع الإقرار بأن الديمقراطية من شأنها الإسهام في ترسيخ قيم التعايش والتسامح وتعزيز القدرة الجماعية على مواجهة التحديات وتوفير الإطار القانوني لتحقيق الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي، مع ذلك يعيش حوالي 72 % من سكان العالم حالياً في ظل أنظمة غير ديمقراطية بالمعنى الكامل والشامل، وأقل من 7 % فقط من سكان العالم يعيشون في “ديمقراطيات كاملة” وفقاً لمؤشر الديمقراطية الأحدث. هذا إضافة إلى أن هنالك من يخاف من الديمقراطية - في العديد من بلدان العالم الثالث - متحصنين بأسباب آيديولوجية أو بمخاوف على المكتسبات القائمة. ويمكن تلخيص بعض هذه الرؤى وفقا لتيارات الفكر السياسي العربي على نحو تبسيطي مختزل:
- بالنسبة لبعض النخب الفكرية والسياسية المحسوبة على التيارات القومية، فإنها، كانت في معظم الأحيان - خاصة في البدايات - تميل إلى تأجيل الديمقراطية (باعتبارها ليست أولوية في الوقت الحاضر)، من أجل إنجاز الاستقلال والتحرر من الاستعمار أولا، وتحقيق الوحدة العربية ثانيا، وإنجاز الاشتراكية ثالثا، على حد توصيف الدكتور محمد عابد الجابري.
- بالنسبة للتيارات اليسارية - في بعض توجهاتها - فإنها تتوجس من الديمقراطية الليبرالية البورجوازية، بوصفها “الوسيلة التي تستعملها القوى المهيمنة لفرض سيطرتها”، إلى درجة أن بعض فروع هذا التيار ترفض صراحة الديمقراطية البورجوازية (التي تكرس سيطرة الأقوياء على مقدرات المجتمع والاقتصاد).
ولذلك، ومادامت هذه الديمقراطية تعني “سيطرة الأغلبية” فهي لن تكون ذات جدوى، إلا إذا كانت هذه التيارات جزءا منها - حتى وإن كانت الأغلبية متناقضة معها آيدولوجيا.
-أما بالنسبة لمعظم تيارات الإسلام السياسي فإنها تتعاطى مع الديمقراطية كشعار وكوسيلة نفعية، وتتفاوت المواقف بين القبول التكتيكي بها والرفض الآيديولوجي لها، مع التركيز – في كل الأحوال – على أن يكون الحكم للشريعة لا للشعب، مع استبدال مصطلح الديمقراطية بمصطلح مخفف وهو الشورى مع محاولة شكلية للتوفيق بين الإسلام والديمقراطية مادامت أداة يمكن أن توصلهم إلى السلطة.
كاتب وإعلامي بحريني