العدد 6308
الأربعاء 21 يناير 2026
لا ترث أعداء غيرك
الأربعاء 21 يناير 2026

تغييب العقل لا يحدث دفعة واحدة، بل يبدأ بخطوة صغيرة تبدو بريئة: أن نتخلى عن التفكير المستقل، ونسمح للآخرين أن يقرروا عنا، بدافع المجاملة أحيانًا، أو الخوف، أو الرغبة في إرضاء طرف ما. من هنا تكتسب عبارة “لا تسمح لأحد بتجنيدك لكراهية شخص لم يظلمك” معناها العميق، فهي تختصر خللًا شائعًا في العلاقات الإنسانية، سواء داخل المجتمع أو في بيئات العمل. الاختلافات والخلافات بين الناس أمر طبيعي، لكنها لا تبرر أبدًا أن نتحول إلى جنود في معارك لا تخصنا. فليس من الحكمة أن نرث خصومات الآخرين بحجة الوفاء، ولا أن نُعادي من لم يسئ إلينا لمجرد أن ذلك يرضي شخصًا آخر. الولاء الحقيقي لا يُقاس بعدد الأعداء الذين نجمعهم، بل بقدرتنا على أن نكون عادلين، متزنين، وأوفياء لمبادئنا قبل أي شيء.
يظهر هذا السلوك بوضوح في ثقافة “الشللية”، حيث تُصاغ المواقف مسبقًا، ويُطلب من الجميع الاصطفاف بصمت. من يرفض المشاركة في الكراهية يُساء فهمه، ومن يفكر بعقله يُنظر إليه بريبة، وكأن الاستقلال الفكري جريمة. في هذه اللحظة تحديدًا، يُغيب العقل، ويتحول الإنسان من صاحب رأي إلى أداة، ومن فرد فاعل إلى تابع. الفيلسوف إيمانويل كانط عبّر عن هذا المأزق بجملة خالدة: “تجرأ على استخدام عقلك بنفسك”، فالعقل الحر لا يقبل أن يكون نسخة مكررة من غيره. أما برتراند راسل، فحذر من الانسياق الأعمى خلف الجماعة حين قال: “المشكلة في العالم أن الحمقى واثقون بأنفسهم، بينما العقلاء يملؤهم الشك”.
أخطر ما قد نخسره في النهاية ليس منصبًّا، ولا علاقة عابرة، بل عقولنا حين نؤجرها للآخرين. فالحياد ليس ضعفًا، والتفكير المستقل ليس خيانة، ورفض الكراهية موقف أخلاقي ناضج. وحين نحمي عقولنا من هذا الاستثمار السيئ، نكون في الحقيقة نحمي أنفسنا ومجتمعاتنا من صراعات لا تشبهنا، ولا تضيف لنا شيئًا سوى التعب والانقسام.
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .