بعيداً عن ضجيج الشوارع وصخب المظاهرات، تجري فوق إيران معركة من نوع مختلف. لا تُرى بالعين المجردة ولا تُسمع لها أصوات، لكنها تؤثر مباشرة في قدرة المتظاهرين على التواصل مع العالم.
إنها معركة على الإشارة، تُدار بين الأرض والفضاء، حيث تحاول طهران تعطيل الوصول إلى الإنترنت الفضائي الذي تتيحه منظومة «ستارلينك» التابعة لإيلون ماسك، بعد قرارات حكومية متكررة بقطع الإنترنت الأرضي وشبكات الهاتف المحمول.
خلال الأسابيع الأخيرة، ومع تصاعد الاحتجاجات على خلفيات اقتصادية ومعيشية، لجأت السلطات الإيرانية مجدداً إلى أدواتها التقليدية في السيطرة الرقمية، عبر خفض سرعات الإنترنت، وحجب المنصات، وقطع الاتصال بشكل شبه كامل في بعض المناطق.
غير أن ظهور محاولات لاستخدام ستارلينك كبديل أعاد فتح جبهة جديدة، أكثر تعقيداً وحساسية.
من الشارع إلى الموجة
لم تعد المواجهة في إيران تقتصر على السيطرة الأمنية في الميدان، بل امتدت إلى الفضاء الكهرومغناطيسي. فبالنسبة للسلطات، لا يمثل الإنترنت مجرد وسيلة اتصال، بل بنية تحتية سياسية تؤثر في قدرة الدولة على التحكم في السردية العامة.
ومع إدراكها أن الإنترنت الفضائي يتجاوز مزودي الخدمة المحليين، بدأت جهود مكثفة لتعطيل هذا المسار البديل.
ستارلينك، المصممة لتوفير اتصال مباشر بين المستخدم والأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض، تعتمد على أطباق استقبال صغيرة تُوجه تلقائياً نحو الأقمار باستخدام أنظمة ملاحة دقيقة، في مقدمتها إشارات GPS. هذه الحلقة التقنية، التي تبدو تفصيلاً هندسياً، تحولت إلى نقطة استهداف رئيسة.
تشويش محسوب لا قطع مباشر
وفق تقديرات خبراء في الاتصالات وتقارير تقنية متداولة، لم تعتمد إيران على أسلوب القطع المباشر أو الإغراق الكامل للترددات، لما يحمله ذلك من بصمة واضحة يسهل رصدها دولياً.
بدلاً من ذلك، يُعتقد أنها استخدمت تقنيات تشويش موجهة عالية القدرة، تركز على نطاقات التردد المستخدمة في الوصلة الصاعدة بين الطرف الأرضي والقمر الصناعي، خصوصاً نطاق Ku-band.
هذا النوع من التشويش لا يمنع الإشارة بالكامل، لكنه يجعلها غير مستقرة وغير قابلة للاستخدام العملي. النتيجة اتصال متقطع، وزمن استجابة مرتفع، وفقدان متكرر للتزامن بين الطبق والقمر، ما يؤدي في النهاية إلى تعطيل الخدمة فعلياً دون إعلان رسمي عن ذلك.
دور الخبرات الروسية والصينية
التطور اللافت في هذا السياق هو مستوى التعقيد التقني المستخدم. فإيران، التي راكمت خبرات طويلة في مجال الحرب الإلكترونية، استفادت على ما يبدو من تعاون تقني مع روسيا والصين، سواء عبر نقل معرفة أو عبر نماذج تشغيل مستوحاة من تجارب سابقة. منظومات تشويش روسية الصنع، أو نسخ محلية مطورة عنها، مثل تلك المصممة أصلاً لتعطيل الرادارات أو الاتصالات العسكرية، جرى تكييفها للعمل ضد أنظمة الاتصال الفضائي التجارية.
في المقابل، تنظر الصين منذ سنوات إلى شبكات الأقمار الصناعية التجارية، وعلى رأسها ستارلينك، باعتبارها بنى مزدوجة الاستخدام، يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى أدوات ضغط سياسي أو أمني.
لذلك، استثمرت بكين بكثافة في تقنيات الإعاقة غير التدميرية، مثل التشويش والخداع الإلكتروني، وهو النهج الذي يبدو أنه وجد طريقه إلى التطبيق الإيراني.
حدود المرونة التقنية
رغم ما تروّج له شركة «سبيس إكس» عن مرونة ستارلينك وقدرتها على تجاوز البيئات المعادية، فإن ما يحدث في إيران يكشف عن حدود هذه المرونة. فالمنظومة قادرة على تغيير الأقمار وتعديل المسارات، لكنها تظل معتمدة على وصلة صاعدة مستقرة من الأرض. وعندما تُستهدف هذه الوصلة بشكل مكثف، تفقد المنظومة جزءاً كبيراً من فعاليتها.
تجارب سابقة، مثل تلك التي شهدتها أوكرانيا، أظهرت أن ستارلينك يمكن أن تصمد أمام تشويش محدود أو متقطع، لكنها ليست محصنة ضد حملات منظمة ومستمرة، خصوصاً إذا ترافقت مع تشويش على إشارات الملاحة والتوقيت.
سؤال السيادة الرقمية
ما يجري في إيران يطرح سؤالاً أوسع حول مستقبل الإنترنت الفضائي في البيئات السياسية المغلقة. هل ستظل هذه التقنيات قادرة على كسر احتكار الدول للاتصال، أم أن الدول ستنجح، بمرور الوقت، في تطوير أدوات تجعل الفضاء امتداداً لسيادتها التقليدية؟
حتى الآن، لا توجد إجابة قاطعة. لكن المؤكد أن المعركة لم تعد بين متظاهر وحكومة فقط، بل بين نماذج متعارضة للسيطرة على الاتصال: نموذج عابر للحدود تقوده الشركات، ونموذج سيادي تسعى الدول إلى ترسيخه، ولو عبر تحويل الصمت الرقمي إلى أداة حكم.