+A
A-

"أشياء غريبة" خمس مواسم من الانضباط الدرامي

الدراما التلفزيونية هي دراما مكثفة تقوم في أساسها على الشخصية المرسومة بدقة وعناية بالغة، بحيث تمتزج أبعادها الثلاثة: البعد الجسمي، والاجتماعي، والنفسي امتزاجًا عضويًا سليمًا. فالدراما الجيدة هي التي تتصاعد وتدور من خلال مجموعة محدودة من الشخصيات النابضة بالحياة، التي يجري بينها حوار واضح وذكي، قادر على كشف التحولات الداخلية دون افتعال أو شرح مباشر.

كما أن العمل الدرامي الناجح يأخذ الشكل السردي ذي الخط الحدثي المستقيم المتناغم المتصاعد، مع انتقال سلس بين الوقائع دون فواصل أو عوائق. فالتلفزيون، بطبيعته وخصائصه، أميل إلى المعالجات ذات القالب الروائي، أكثر من الأشكال التحليلية التي تعتمد على تفكيك الموضوع ومضمونه، أو الغوص في تحليل تكويناته وما يتفرع عنها.

ومن بين المسلسلات الأميركية الحديثة التي حافظت على توازنها في جميع أجزائها، يبرز مسلسل "أشياء غريبة"، الذي عُرض جزؤه الخامس مؤخرًا على شبكة نتفليكس. وتكمن قوة هذا العمل، إجمالًا، في محافظته على ترابط الحوادث، والبناء الدرامي المتماسك، وعدم الإخلال بالتوازن العام مع توالي المواسم.

عندما شاهدت الموسم الأول، أخذني العمل معه حتى النهاية، حيث تمكن الكاتبان مات وروس دافر، عبر قصتهما الخيالية، من تحقيق تسلسل منطقي مفهوم، ولم يضلا كما ضل غيرهما من كتاب هذا النوع من الأعمال، الذين يقودون المشاهد إلى متاهات واستطرادات ومحاولات شرح مرهقة.

وفي رأيي، استطاع الكاتبان، ومعهما فريق العمل، أن يسيرا في طريق شائك بنجاح لافت. لم تغرهما التفاصيل، ولم تستهوهما التحليلات الزائدة أو التشبيهات المتكلفة، بل كانا في أقصى درجات اليقظة أثناء الكتابة. وجاءت المواسم من الثاني حتى الخامس لتؤكد هذا الخط، حيث نتابع تطور قصة "إليفن" ذات القدرات الخارقة، في مواجهة كائنات العالم السفلي، مع بدايات لا تتكرر شكليًا بل تنطلق من صلب الحدث نفسه.

كاتبان ومخرجان يمتلكان موهبة وتكنيكًا مدهشين، تجسدا في شخصيات واضحة، وبيئة وزمان وجو عام متماسك، وفكرة سليمة التكوين عبر خمسة مواسم، دون إغفال دور المخرجين الأخرين الذين أسهموا في تعميق الأثر البصري والنفسي، وتحقيق التوازن بين الإيقاع والمكان والخط الدرامي، وثراء التكوينات الفنية.