العدد 6255
السبت 29 نوفمبر 2025
الكيب يواجه الدولار في لاوس
السبت 29 نوفمبر 2025

اتخذت لاوس مطلع 2025 خطوة حاسمة بإعادة الكيب، عملتها الوطنية، إلى مركز التعاملات اليومية، وتقليص حضور العملات الأجنبية، في تحول مسّ بنية الأسعار والتحويلات وطريقة تفكير المواطن في قيمة المال. وتحوّلت فينتيان إلى مختبر حي يختبر فيه المجتمع معنى استعادة السيطرة على قراره النقدي في عالم متقلب.
قرار البنك المركزي اللاوسي المعروف باسم القرار 11/‏2025 جاء في 3 يناير ليُلزم جميع التجار والشركات بتسعير السلع والخدمات بالكيب أولا، مع السماح بإظهار العملات الأجنبية مثل الدولار الأمريكي أو البات التايلاندي كمرجع ثانوي فقط، وبالسعر المعلن من البنوك التجارية المحلية. هذه القاعدة أضعفت دور السوق السوداء التي كانت تبيع الدولار بأسعار أعلى، وخلقت شفافية أكبر للمستهلك الذي بات يرى أسعارا موحّدة وواضحة.
ورغم هذه الإجراءات، ما تزال الدولرة عميقة في الاقتصاد اللاوسي، حيث تشير بيانات البنك الدولي إلى أن نحو 69 %  من السيولة الواسعة في مايو 2025 كانت محتفظة بعملات أجنبية. هذه النسبة تكشف عن حجم التحدي أمام الحكومة؛ فهي لا تسعى فقط لتغيير لوحات الأسعار، بل لتغيير سلوك الادخار والاستهلاك الذي ترسّخ عبر سنوات طويلة.
المشهد تعزز بخطوات مكمّلة، كان أبرزها تنظيم حسابات الودائع بالعملات الأجنبية وفرض رسوم تحويل بنسبة 0.3 في المئة (ما بين 1 و30 دولارا أمريكيا) على التحويلات بين الحسابات. كما فرضت شرط تقديم مستندات داعمة عند أي تحويل يومي يتجاوز عشرة آلاف دولار للفرد أو مئة ألف دولار للشركات. هذه الخطوات قلّصت من حركة الأموال غير المراقبة، ودفعت التحويلات العائلية والتجارية إلى النظام البنكي الرسمي. 
وفي منتصف 2025، فرض البنك المركزي سقوفا على فوائد الودائع والقروض بالعملات الأجنبية؛ فخفّض بذلك جاذبية الادخار أو الاقتراض بالدولار مقارنة بالكيب. هذا الإجراء دفع المواطنين للعودة إلى العملة الوطنية، لاسيما مع تراجع التضخم إلى 5.3 في المئة في يوليو. ومع استقرار السعر المرجعي عند 20,444 كيب للدولار، وتداول البنوك بين 21,566 و21,766 كيب، بدا الكيب أكثر ثباتا مما شهدته البلاد سابقا.
هذه التجربة ليست محلية فقط، بل تُلقي بظلالها على نقاش أوسع يهم دول الخليج التي تربط عملاتها بالدولار. ما تفعله لاوس يشبه “اختبار مقاومة” يُظهر كيف يمكن للدولة أن توازن بين الحاجة للعملات الأجنبية والانتماء للعملة الوطنية. وفي منطقة كالخليج، حيث تتقلب أسعار النفط وتتغير تدفقات رأس المال بسرعة، تبدو هذه التجربة مرآة معكوسة تنبّه إلى أن الاستقرار لا يعتمد على الخارج فقط، بل يبدأ من الداخل.
وهكذا، حين نقول إن الكيب يسود في لاوس فنحن نصف عودة عملة محلية تستعيد مكانتها أمام نفوذ النقد العالمي، في تجربة تذكّر بأن قوة الاقتصاد تقوم على ثقة المواطن بعملته وأن السيادة تظهر حين يستخدمها في حياته اليومية.

 

* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية