لقد أحدثت المضادات الحيوية منذ اكتشافها ثورة في الطب الحديث، حيث أنقذت حيوات لا حصر لها من خلال علاج الالتهابات البكتيرية بفعالية. ومع ذلك، فإن سوء استخدام المضادات الحيوية والإفراط في استخدامها أديا إلى ظهور العديد من البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، ما يشكل تهديدًا كبيرًا للصحة العامة العالمية. الإفراط وسوء الاستخدام للمضادات الحيوية مازال مستمرا حتى اليوم، حيث تشير إحدى الاحصائيات إلى أنه بين عامي 2000 و2015 زاد استخدام المضادات الحيوية بنسبة 65 %. وقد تحدث مقاومة المضادات الحيوية عندما تتطور البكتيريا وتنجح في تطوير قدرتها على هزيمة الأدوية التي صممت للقضاء عليها وشلّ فعاليتها.
المضادات الحيوية هي أدوية تستخدم لعلاج الالتهابات الناجمة عن البكتيريا فقط وليس لها تأثير على الفيروسات أو الفطريات أو الديدان، علماً أن هناك أدوية خاصة لكل نوع من هذه الالتهابات. ومنذ اكتشافها في أوائل القرن العشرين، ساهمت المضادات الحيوية في تقدم الرعاية الصحية حيث أصبح من الممكن علاج الالتهابات البكتيرية التي كانت مميتة في السابق وأداء العمليات الجراحية المعقدة مع انخفاض خطر الإصابة بالالتهابات البكتيرية. بالإضافة إلى ذلك، لعبت المضادات الحيوية دورًا مهماً في علاج بعض الأمراض المزمنة المرتبطة بالبكتيريا، مثل مرض السل الرئوي، وكان لها دور فعال في تقليل معدلات الوفيات في جميع أنحاء العالم.
ولعلاج الالتهابات البكتيرية تقوم المضادات الحيوية إما بقتل البكتيريا مباشرة (Bactericidal) أو تعطيل نموها وتكاثرها (Bacteriostatic). وعادةً ما يتم تفضيل النوع اﻷول من المضادات الحيوية لعلاج بعض أنواع الالتهابات البكتيرية مثل التهاب السحايا (Meningitis) والتهاب شغاف القلب ((Endocarditis. ولا صحة للاعتقاد السائد بين بعض المرضى بأن المضادات الحيوية تؤثر على جهاز المناعة بالجسم.
البكتيريا هي إحدى الكائنات الدقيقة فائقة الذكاء، فهي تقوم بمجابهة أي تحديث في عمل المضادات الحيوية وتثبيط عملها وجعلها عديمة الفائدة. فقد قامت البكتيريا وعلى مر السنين بتطوير العديد من الطرق لكي تتمكن بها من مقاومة المضادات الحيوية. إحدى هذه الطرق هو عبر انتاج البكتيريا لأنزيم يقوم بتكسير المضاد الحيوي وجعله عديم الفائدة. أكثر نوع من المضادات الحيوية عرضة لهذا النوع من المقاومة هي البنسيلينات (Penicillins) والمضادات الحيوية المرتبطة بها مثل السيفالوسبورينات (Cephalosporins). الطريقة الثانية التي تقوم عبرها البكتيريا بتطوير مقاومتها للمضادات الحيوية هو تغيير هذه البكتيريا إحدى الخصائص اللازمة لنشاط المضاد الحيوي مثل نفاذية جدار الخلية البكتيرية للمضاد الحيوي، وبهذه الطريقة يصبح المضاد الحيوي قليل أو عديم الفعالية. الطريقة الثالثة التي تقاوم بها البكتيريا المضادات الحيوية عن طريق تغيير أحد البروتينات الواجب على المضاد الحيوي الارتباط بها لكي يقوم بعمله، والطريقة الرابعة هي عبر قيام الخلية البكتيرية بإخراج المضاد الحيوي منها بعد دخوله مباشرة وقبل قيامه بأي فعل.
عملية تطوير البكتيريا لمقاومتها للمضادات الحيوية أصبحت سريعة جداً، فقد تمكنت البكتيريا من تطوير مقاومة البنسلين (أول مضاد حيوي تم طرحه للاستخدام البشري) بعد حوالي عشرين سنة من بدء استخدامه. ولكن هذ المدة الزمنية أصبحت أقصر بكثير كلما تم البدء باستخدام مضاد حيوي جديد، حتى وصلت هذه المدة إلى 3 سنوات للسيفتازيديم (Ceftazidime) وسنة واحدة فقط لليفوفلوكساسين (Levofloxacin) بعد البدء في الاستخدام البشري.
أكاديمي وعضو مؤسس بجمعية الصيادلة البحرينية