العدد 6168
الأربعاء 03 سبتمبر 2025
اﻷدوية الجنيسة (1)
الأربعاء 03 سبتمبر 2025

كثيرًا ما نرى المرضى عند زيارتهم الصيدليات سواء في القطاع الخاص أو العام يتجنبون الحصول على الأدوية غير الأصلية ويبدون عدم الرغبة في استخدامها، ويذكرون أن هذه المستحضرات ﻻ تعدو كونها أدوية مقلدة ذات جودة وفعالية متدنية. فهل حقًّا أن اﻷدوية غير اﻷصلية هي أدوية مقلدة وأن جودتها وفعاليتها أقل من تلك اﻷصلية؟ هذا ما سنقوم بمناقشته في هذا المقال. 
الأدوية الجنيسة (Generic Drugs) هي أدوية تم تصنيعها لتكون مطابقة تمامًا لأدوية ذات أسماء تجارية معروفة من حيث شكل الجرعة والسلامة والقوة، وطريقة الإعطاء، والجودة، وخصائص الأداء، والفعالية والغرض العلاجي والتي يتم صرفها بالفعل في الصيدليات. وعادة ما يسمح لشركات الأدوية الأخرى بإنتاج وتسويق وبيع نفس الدواء بصيغته الجنيسة بعد انتهاء فترة براءة اختراع الدواء ذي الاسم التجاري، وغالبًا بتكلفة أقل بكثير، ما يزيد من المنافسة ويخفض الأسعار، وبالتالي يجعل الأدوية الأساسية في متناول شريحة أوسع من المجتمع. وتخضع هذه العملية لتنظيم صارم من قبل السلطات الصحية مثل إدارة الغذاء والدواء الأميركية (Food & Drug Administration - FDA) أو الوكالة الأوروبية للأدوية  (European Medicines Agency - EMA) لضمان استيفاء معايير الجودة والسلامة والفعالية. وعلى الرغم من أن الأدوية الجنيسة لا تمر بنفس التجارب السريرية الطويلة التي تخضع لها الأدوية الأصلية، إﻻ أنه يطلب من مصنعي الأدوية الجنيسة إثبات موضوع التكافؤ الحيوي (Bioavailability) لها، وهذا يعني أن تتطابق اﻷدوية الجنيسة واﻷدوية ذات اﻷسماء التجارية في كمية الدواء التي تصل إلى الدم بدون أن يطرأ عليها أي تغيير، ما يضمن حصول المرضى على نفس الفوائد العلاجية من الدواء الجنيس كما يحصلون عليها من نظيره الأكثر تكلفة وذي العلامة التجارية اﻷصلية. 
الفائدة الأكبر والمباشرة للأدوية الجنيسة هي خفض تكلفة اﻷدوية، وبالتالي عملية علاج اﻷمراض بشكل كبير. إن اكتشاف وتطوير دواء جديد هو مسعى مكلف للغاية، كما أنه محفوف بمخاطر الفشل في كثير من اﻷحيان، ويشمل سنوات طويلة من البحث والتجارب السريرية والعقبات التنظيمية، وتسترد الشركات صاحبة الأسماء التجارية هذه الاستثمارات خلال فترة احتكارها للدواء. وفي مقابل ذلك، يتجاوز مصنعو الأدوية الجنيسة الغالبية العظمى من تكاليف البحث والتطوير الأولية هذه وربما كلها. 
ويؤدي عدم تحمل تكاليف البحث والتطوير، إلى جانب المنافسة الشديدة بين العديد من مصنعي الأدوية الجنيسة بمجرد فتح السوق، إلى انخفاض الأسعار بنسبة قد تصل إلى 90 % مقارنة بسعر العلامة التجارية الأصلية، ويساهم هذا اﻻنخفاض الكبير في أسعار الأدوية في جعلها في متناول يد أغلب السكان في أغلب دول العالم، وبالتالي زيادة فرص حصول المرضى على العلاج وهذا يترجم مباشرة إلى تعامل أفضل مع الأمراض وعلاجها وتحسين النتائج الصحية وزيادة متوسط العمر المتوقع للمرضى. من جانب آخر فإن اﻻنخفاض الكبير في أسعار الأدوية ينعكس على التوسع في توفير تكاليف نظام الرعاية الصحية والإنفاق عليها، حيث إن إنفاق الحكومات وشركات التأمين وأرباب العمل يكون أقل بكثير على الأدوية عند استخدام النسخ الجنيسة منها.
في الكثير من الدول، توفر الأدوية الجنيسة مئات المليارات من الدولارات سنويًا على نظام الرعاية الصحية، وتوفر هذه المدخرات الموارد المتاحة لاحتياجات الرعاية الصحية الحرجة الأخرى، والبرامج الوقائية. كذلك يعد الاستخدام الواسع للأدوية الجنيسة أمرًا بالغ الأهمية للاستدامة المالية للحكومات والسلطات الصحية على المدى الطويل، ما يسمح بتمديد التغطية ليشمل المزيد من الأشخاص والمزيد من الأمراض. بالإضافة إلى ذلك، تعزز الأدوية الجنيسة المنافسة المتزايدة داخل سوق الأدوية، فعندما تنتج شركات متعددة نسخًا جنيسة متعددة من دواء ما، فإن زيادة العرض والمنافسة تدفع الأسعار إلى الانخفاض أكثر، ما يعود بالنفع على المستهلكين بشكل أكبر. تشجع هذه البيئة التنافسية أيضًا الابتكار بين مصنعي الأدوية ذات الأسماء التجارية، ما يدفعهم إلى تطوير علاجات جديدة ومحسنة للحفاظ على مكانتهم في السوق. ففي جوهرها، تعمل الأدوية الجنيسة كآلية قوية لفعالية السوق ورفاهية المستهلك.

أكاديمي وعضو مؤسس بجمعية الصيادلة البحرينية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية