كانت ليلة الأربعاء الماضي، والمكان كان في المجلس العامر للصديق العزيز المفكر البحريني الدكتور محمد الكويتي، ليلة الأربعاء جمعتنا مع النخب الوطنية المتألقة والمسؤولين السابقين يتقدمهم المفكر البحريني الكبير والوزير الأسبق للتربية والتعليم الدكتور علي بن محمد فخرو، أما المناسبة فكانت دعوة كريمة من الدكتور الكويتي في مجلسه تشرفت فيها بإلقاء محاضرة عن الاستثمار في التعليم، والدور الذي يجب أن يلعبه القطاع الخاص في المساهمة بالمشاريع التعليمية والأكاديمية منها على وجه الخصوص.
وأحمد الله وأشكر فضله أن توقيت الندوة لم يكن متأخرًا ما سمح بحرية الحديث عن المشروع “الحلم”، بالتحديد عن ذكرياتي مع تأسيس أول جامعة خاصة في مملكة البحرين، وكيف أن المشروع ارتطم في بداياته بالعديد من العقبات التي كان أبرزها ما يحكم فكر العملية التعليمية آنذاك، ذلك الفكر الذي يمكن وصفه بالشمولي، أي الذي لا يسمح للقطاع الخاص بقيادة العملية التعليمية نظرًا للمخاوف التي كانت تكتنف التجربة، والتي تنحصر خلاصتها في ضرورة أن تكون الدولة هي المسؤولة عن قيادة العملية التعليمية برمتها وذلك من أجل المحافظة على الهوية الوطنية، والفكر المجتمعي المستمدة جذوره من العمق العربي وليس من العمق الأجنبي.
تلك المخاوف، ولا أخفي عليكم سرًا، بأنها كانت تؤرقني ولم تغِب قط عن بالي؛ لذلك كان المشروع الوليد متضمنًا لمظلة حمائية حكومية لمتابعة أداء الجامعات الخاصة في حال انطلاق تجربتها، تمامًا مثلما هي المخاوف من أن يتحول المشروع التعليمي إلى مشروع تجاري، وألا تحصل الشرائح الأقل دخلًا على حقها الشرعي في التعليم والتعلم والمساهمة في تخريج أجيال قادرة على تسلم زمام المبادرة لقيادة العملية التنموية في المجتمع والنهوض به إلى سماوات التنافسية، وما يمكن أن ينتج عنها من تفريخ مجتمعات الكفاية في الإنتاج والعدالة في التوزيع. مخاوف الدولة آنذاك برموزها المستقرة على مواقع العمل التربوي والتعليمي الوزاري، هي التي استقبلت مشروعنا الحلم بتحفظ شديد مفاده تلك المخاوف، وحماته مواطنون صالحون، وقياديون مخلصون على رأسهم في ذلك الوقت كان الدكتور علي فخرو الذي قدمت له المشروع وهو على مقعد الوزارة، وأذكر أنه كان شديد التحفظ عليه نظرًا للمخاوف التي تكتنفه والاعتبارات سالفة الذكر.
حكيت وحكيت عن مشروع تأسيس أول جامعة أهلية في مملكتنا الحبيبة البحرين، والنخب التي شاركتنا الليلة المباركة تستمع بحرص شديد حتى لاحظت ذلك التحفز الذي كان يكتسي العيون، وتلك الأسئلة التي كانت تتسابق على الجباه قبل الألسنة. انتهيت بعد أن أكملت الحديث عن المشروع بانطلاقه فور التصويت على ميثاق العمل الوطني بعد أن تمكنت وفريق اللجنة العليا للمشروع الوطني الكبير التي شرفت بعضويتها بقرار ملكي سامٍ، باعتباري ممثلًا عن قطاع التعليم.
شعرت بأن النخب تتابع الملحمة الوطنية التي سبقت إطلاق مشروع الجامعة الأهلية باهتمام، وأن القصة التي لم تنتهِ فصولها بعد، مازالت لها بقية سواء تم ذلك في تلك الليلة البديعة، أو أن المداخلات يمكنها أن تفي بالغرض وتساعدني على تحمل عناء الإفاقة بمفردي. فتحدثت وتحدث الجميع، وكان الدكتور فخرو صادقًا لأبعد الحدود في طرح رؤيته، بل وتهنئتي على نجاح تجربة الجامعة الأهلية إلى أن أصبح لدينا نحو ١٦ جامعة خاصة، اعتبرها بعض المشاركين في اللقاء أنها أكبر من سوق البحرين الصغيرة، واعتبرتها أنا بشارة لكي تتحول البحرين إلى “بوسطن الخليج”، ولِمَ لا ونحن نحتضن تحت سمائنا هذا العدد من الجامعات المتميزة، وهذا الكم من التزكيات والتقديرات والتصنيفات الأكاديمية المعتبرة سواء من مؤسسة “كيو إس” العالمية، أو من “التايمز” البريطانية، اللتين وضعتا جامعاتنا الوطنية في طليعة الجامعات المصنفة إقليميًا وعالميًا، تمامًا مثلما كنا نحلم بأن تكون لدينا “أكسفورد” أو “كامبردج” البحرين، ولكن بفلسفة وطنية واعتبارات تحمي الشخصية البحرينية من التشويش والتشويه، لا سمح الله، حتى نتحول وتتحول بلادنا من دول مستهلكة للتكنولوجيا إلى دول منتجة لها، خاصةً أن أمننا الوطني أو القومي لا يأتي من الخارج، ولا يُستورَد من الجيران، إنما ينبع أساسًا من داخلنا وطنًا وإنسانًا وفِكرًا ينبذ التعصب ويشجع على التسامح، ويؤمن بأن التعليم الراقي هو المحفز والسند لإقامة دولة العِلم والعلماء ووطن الأمن والأمان.
* الرئيس المؤسس رئيس مجلس أمناء الجامعة الأهلية