العدد 6200
الأحد 05 أكتوبر 2025
ولا يهون النفط (9): دول مجلس التعاون والفرصة الفائتة
الأحد 05 أكتوبر 2025

ما الذي قالته وما لم تقله العضو المنتدب لصندوق النقد الدولي بشأن الاقتصاد الخليجي؟ 
الذي قالته في اجتماع الوزراء السنوي لدول مجلس التعاون الخليجي الذي عقد في الكويت (2 أكتوبر 2025)، ألقت كريستالينا غورغييفا، العضو المنتدب لصندوق النقد الدولي، في كلمة افتتاحية، أنها ذكرت بمقولة عربية ذائعة “في الاتحاد قوة”، حيث أكدت أن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية “نقطة مضيئة” في الاقتصاد العالمي رغم التحديات المتزايدة، مثل التوترات التجارية والجيوسياسية وانخفاض أسعار النفط، وأن نمو الاقتصاد الخليجي إجمالا متوقع أن يتسارع إلى نطاق 3 % - 3.5 % في 2025 وأن يقترب من 4 % في 2026، مدعوما بمرونة الاقتصاد غير النفطي والإصلاحات الهيكلية. 

وفي هذا السياق، حددت د.غورغييفا 4 أولويات رئيسة كعنصر أساسي لتعزيز المرونة والتنويع الاقتصادي في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية:
1. التكامل المالي: “تعميق الأسواق المالية المحلية - خاصة من خلال تطوير أسواق السندات المحلية لإطلاق رأس المال طويل الأجل للاستثمارات وزيادة مرونة استراتيجيات التنويع أمام تقلبات أسعار النفط وعدم اليقين لدى المستثمرين الأجانب”، وأن “التكامل المالي الأكبر، بما في ذلك توحيد اللوائح وتنسيق الإشراف عبر دول مجلس التعاون الخليجي، سيحسن تعميق السوق المالية ويستفيد المنطقة”. 

2. التكامل التجاري: شددت على أن “التكامل التجاري يجب أن يظل أولوية قصوى”. وأشارت إلى أنها تحدثت العام الماضي عن التجارة داخل مجلس التعاون الخليجي، مضيفة هذا العام أهمية تعزيز العلاقات مع الشركاء التجاريين خارج المنطقة، مثل إفريقيا، حيث تضاعفت التجارة إلى أكثر من 100 مليار دولار لكنها لا تزال تمثل 7-9 % فقط من إجمالي التجارة الخليجية. وقالت إن “تبسيط الحواجز غير الجمركية، بما في ذلك في سياق الاتفاقيات التجارية المفاوض عليها على مستوى الدولة أو مجلس التعاون الخليجي، يمكن أن يلعب دورا مهما”.

3. التنويع والقطاع الخاص: أن “التنويع الاقتصادي الحقيقي يعتمد على قطاع خاص ديناميكي”، مشيدة بتقدم دول مجلس التعاون الخليجي في الذكاء الاصطناعي والشراكات مع الشركات العالمية، مما يعزز البنية التحتية الرقمية وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر. وأشارت إلى أن التكامل يساعد في استغلال المزايا التنافسية مثل الوصول إلى الطاقة لمشاريع مثل مراكز البيانات.

4. لتحديات والمخاطر: حذرت من أخطار مثل انخفاض أسعار النفط أو تفاقم التوترات التجارية، التي قد تبطئ النمو غير النفطي بنسبة 1.3 % في سيناريو سلبي، ودعت إلى سياسات مالية حذرة وتعزيز الاحتياطيات لضمان الاستدامة طويلة الأجل.

أما الذي لم تقله فهو أن الاقتصاد الخليج (أي اقتصادات الدول الست مجتمعة) هو عاشر أكبر اقتصاد عالميا من حيث الناتج المحلي الإجمالي، بل لعل من المناسب أن يسعى لتأسيس مجموعة العشر الكبار (G10)، وأن يكون عضوا مؤسسا فيها، وترتيب الاقتصاد الخليجي الخامس عالميا من حيث صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، والسادس من حيث قيمة التجارة الدولية، والأول من حيث قيمة أصول صناديقه السيادية، والثاني من حيث استقطاب العمالة الوافدة. قوة اقتصادية مبهرة، وما سيجعلها أكثر إبهارا أن تتكامل سويا، كما يقول النظام الأساسي للمجلس واتفاقيته الاقتصادية الموحدة.

وما دام الحديث المتواتر في دول المجلس من حيث التوجه الاقتصادي استراتيجيا هو التنوع لتخفيف الاعتماد على النفط، فيبرز مثال مُبهر كذلك لتكتل اقتصادي هو الأكبر عالميا والأكثر حيوية - في تقديري - وهو تكتل “الآسيان”، الذي يجمع - كما هو واضح من الاسم - دولا آسيوية ناهضة اقتصاديا، وهي: بروناي وكامبوديا وإندونسيا ولاوس وماليزيا ومانيمار والفلبين وسنغافورة وتايلند وفيتنام، ولن تفوت المتابع أن بين بعض هذه الدول “ما صنع الحداد”، وبينها دول غاية في الضخامة مساحة وسكانا وأخرى من بين الأصغر في العالم مساحة وسكانا، لكن ذلك لم يحول دون تقارب اقتصادي، يُبينهُ حجم التجارة البينية (21 %)، ومدى التنوع ولاسيما في قطاع التصنيع، ما جعل اقتصاد مجموعة الآسيان رقما عالميا صعبا، دون قصص نجاح متوالية في استقطاب الاستثمارات وملتقى تموضع سلاسل الامداد؛ فعلى الرغم من أن قيمة اقتصاد الآسيان يعادل ضعف الاقتصاد الخليجي وضعف تجارته الدولية (معظمها صادرات نفطية)، إلا أن اقتصاد الآسيان يستقطب 4 أضعاف ما يستقطبه الاقتصاد الخليجي من استثمارات مباشرة.

ما الجديد في الدعوة إلى التكامل الاقتصادي الخليجي، وقد تأسس المجلس منذ 46 عاما ووقع الاتفاقية الاقتصادية الموحدة كذلك قبل 46 عاما (عدلت فيما بعد في العام 2001)؟ الجديد هو الفرصة التاريخية المتمثلة في رغبة الدول الست تخفيف الاعتماد على النفط، وتقدمها في التحول الرقمي ومبادراتها في الريادة في التقنية المزعزعة (الذكاء الاصطناعي). وفي حال عدم التكامل فثمة فرصة فائتة تتمثل في جزء من النمو الاقتصادي سيفقد، والحد من الاستثمار في مشاريع استراتيجية في الطاقة والنقل والتقنية لاسيما الذكاء الاصطناعي، والقدرة التفاوضية العالمية، وتكاليف البنية التحتية المكررة. ولعل هذا يتطلب جهدا بحثيا أعمق ونمذجة أدق، لكن ما يمكن الخلوص إليه إجمالا هو أن قيمة الفرص الفائتة في حال الإحجام لن تقل عن قيمة المكاسب التي ستتحقق في حال الإقدام والتحرق للتكامل.

* مؤسس مركز جواثا الاستشاري

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية