أزمات فرنسا وألمانيا تهز الثقة الأوروبية.. وتحذيرات من قرارات "مؤلمة مؤجلة"
تشهد أوروبا مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الأزمات المالية والضغوط السياسية مع التحديات الاقتصادية المزمنة، في ظل مؤشرات متباينة على الاستقرار بين دولها الكبرى.
قال الباحث في الشؤون الاقتصادية الأوروبية، رايان رسول، إن رئيس الوزراء الفرنسي الجديد، سباستيان ليكورنو، يواجه موقفًا بالغ الصعوبة مع بدء مهامه، في ظل أزمات مالية وضغوط سياسية من مختلف الأطراف.
وأوضح رسول في مقابلة مع "العربية Business"، أن ليكورنو يعد سابع رئيس وزراء في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون منذ عام 2017، مشيراً إلى أن آخر رئيسين لم يستمرا حتى نهاية ولاياتهما، ما يعكس حدة التحديات الداخلية.
الضغوط أكبر من التراجع عن إلغاء العطلات
وأضاف أن التراجع عن خطة إلغاء عطلتين رسميتين بعد رفض شعبي واسع ليس سوى مثال واحد على الضغوط، إذ يواجه ليكورنو أيضًا مطالب متعارضة من اليسار واليمين بشأن ملفات كبرى مثل إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية والمعاشات التقاعدية والسياسات الضريبية.
وفيما يتعلق بالأوضاع المالية، أشار رسول إلى أن العجز في الميزانية الفرنسية يبلغ نحو 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يقارب ضعف المتوسط الأوروبي البالغ 3%، بينما وصلت الديون الحكومية إلى نحو 114% من الناتج المحلي، أي ما يعادل نحو 3450 مليار يورو.
وقال إن هذه الأرقام تجعل رئيس الوزراء "مقيد اليدين"، خاصة مع الحاجة الملحّة لإقرار ميزانية عام 2026 بعد رفض البرلمان للميزانية السابقة، لافتًا إلى أن فرنسا تواجه خطر مزيد من التخفيضات من وكالات التصنيف الائتماني بعد خطوة فيتش الأخيرة.
وأكد رسول أن أولويته القصوى الآن هي تمرير الميزانية المقبلة عبر التوافق مع أكبر عدد ممكن من الأحزاب البرلمانية، متوقعًا أن تكون التعديلات محدودة لتجنّب صدام جديد مع الشارع.
قال إن فرنسا باتت مثقلة بالديون إلى مستوى مرضي، وتحتاج إلى قرارات حاسمة وصعبة من أجل الاستقرار المالي على المدى الطويل. لكن الضغوط الشعبية تمنع تنفيذ الإصلاحات الضرورية.
ارتفاع المخاطر على السندات الفرنسية
وفيما يتعلق بالبنك المركزي الأوروبي، أوضح رسول أن إبقاء الفائدة دون تغيير الأسبوع الماضي ترافق مع توقعات جديدة للتضخم والنمو، لكن الأوضاع في فرنسا انعكست على سوق السندات.
وقال: "لم نشهد تأثيرات مباشرة كبيرة للأزمة السياسية الفرنسية على منطقة اليورو ككل، لكن السندات الفرنسية أصبحت أقل جاذبية وأكثر كلفة مقارنة بالسندات الألمانية التي تعد الأكثر ثقة".
وأشار إلى أن علاوة المخاطر على السندات الفرنسية ارتفعت إلى نحو 79 نقطة أساس مقارنة بالألمانية، مضيفًا أن الفارق التقليدي بين السندات الفرنسية والإيطالية تقلص من 100–200 نقطة أساس تاريخيًا إلى 29 نقطة أساس فقط مؤخرًا.
وأضاف: "هذا يعكس تحسن الاستقرار السياسي في إيطاليا، مقابل ارتفاع المخاطر في فرنسا"، مؤكدًا أن البنك المركزي الأوروبي يحتفظ بأدوات مثل برامج شراء السندات للتدخل إذا تفاقمت الأزمة.
بنك إنجلترا: التضخم يقيّد السياسة النقدية
قال رسول إن بنك إنجلترا على الأرجح سيبقي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقبل، نظرًا لاستمرار التضخم عند 3.8% سواء الأساسي أو العام.
وأضاف: "البنك لن يبدأ بخفض الفائدة هذا العام، وربما ينتظر حتى الربع الأول من العام المقبل على الأقل، بحسب تطور التضخم".
وعن التيسير الكمي، أوضح أن البنك ضَخّ سيولة ضخمة في السوق بعد بريكست والجائحة والحرب الأوكرانية، حيث بلغت مشتريات السندات الحكومية 895 مليار جنيه إسترليني، وهو أعلى رقم في تاريخه.
وتابع: "بدأ البنك سياسة التخارج، وانخفض الرصيد إلى 535 مليار جنيه حاليًا. لن يبيع السندات مباشرة، لكنه لن يجدد استثماراته في السندات التي يحين أجلها. هذا توقف تدريجي للتيسير الكمي يعكس القلق من عودة التضخم".
ألمانيا: نموذج اقتصادي فقد زخمه
أما عن الاقتصاد الألماني، فقال رسول إنه "ما زال يعاني منذ سنوات طويلة"، معتبرًا أن نموذج الأعمال الألماني لم يعد صالحًا كما كان، بسبب تراجع القدرة على التصدير، خصوصًا إلى الصين، وفقدان مصادر الطاقة الرخيصة.
وأوضح أن إغلاق المفاعلات النووية وتأخر إيجاد بدائل طاقة، إلى جانب البيروقراطية وبطء تنفيذ الاستثمارات الموعودة في البنية التحتية والتسليح، كلها عوامل أضعفت النمو.
وأضاف: "الصورة العامة للاقتصاد الألماني ليست في أفضل أحوالها، ولا يُتوقع تحسن كبير قريبًا. النمو في بداية العام جاء نتيجة طلبات مسبقة لتفادي الرسوم الجمركية الأميركية، لكنه بدأ يتباطأ".
وأكد أن ألمانيا ليست في أسوأ السيناريوهات عالميًا، لكنها أداؤها يظل ضعيفًا مقارنةً بدول أوروبية أخرى مثل إيطاليا وإسبانيا وهولندا التي أظهرت مرونة أفضل.
