رسالة يمكن أن تكون للآخرين، وليست صدفة، فالظهور الثلاثي الأول من نوعه لكل من الرئيس بوتين وشي جين بينج وكيم جونج أون، لفت أنظار العالم خلال العرض العسكري الكبير بمرور 80 عامًا على انتصار الصين في الحرب العالمية الثانية. وقمة شنغهاي للتعاون التي عقدت في مدينة تيانجين الساحلية وضمت 20 زعيما اتخذت أيضا على خلاف القمم السابقة طابعا مختلفا ووجهت رسائل مختلفة للعالم الآخر، حيث أكدت الصين وروسيا ضمنيا أن ما يحدث الآن في المنطقة والعالم من تحركات وحروب عسكرية ومالية وضريبية أصبح يتطلب المواجهة، معلنة انتهاء قوة القطب الواحد.
في الصين نشأت قوة ناشئة ستقود العالم، لمواجهة النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، فالرئيس الروسي والزعيم الكوري الشمالي والإيراني والبرازيلي وقادة تركيا وجمهوريات آسيا الوسطى الكازاخستاني والأوزبكستاني ورئيس الوزراء الباكستاني والهندي بجانب الرئيس الصيني، هذا التزامن بين القمة والعرض العسكري له دلالات سياسية.
واليوم روسيا والصين، والتحالف القوي بينهما، والتقارب الصيني الهندي أيضا لحليف واشنطن الاستراتيجي يعد مكسبا لنجاح قمة منظمة شنغهاي للتعاون التي اختار الرئيس الصيني أن تكون “تيانجين” تحديدا مكان عقد القمة. إنها رسالة سياسية واضحة من الساسة في الصين بأنهم تجاوزوا الماضي الاستعماري ولابد من إبراز صورة الصين كقوة تمهّد لبناء نظام عالمي جديد بعيد عن الهيمنة الغربية مع أصدقائها وحلفائها في المنظمة العالمية.
قمة، بعثت رسائل عديدة، في وقت يشهد فيه العالم اضطرابات بسبب السياسات الأميركية والرسوم الجمركية وسياسة الكيل بمكيالين في الشرق الأوسط من الجانب الأميركي والغربي، لتؤكد بكين وموسكو أنهما تسيران في سفينة واحدة لبناء نظام عالمي جديد هدفه السامي الاستقرار والأمن والسلام في كل بقاع العالم.
وهذا ما أكده الرئيس الصيني شي جينبينج في كلمته الافتتاحية قائلا “لم تتلاش ظلال عقلية الحرب الباردة والتنمر، بينما تتزايد التحديات الجديدة”، داعيا إلى تكاتف الجهود لبناء إطار حوكمة دولية أكثر عدلا وتوازنا.
ومن جهته، تكررت دعوات الرئيس فلاديمير بوتين إلى تسريع التخلي عن الدولار، ومقترحات تأسيس بنك تنمية تابع لمنظمة شنغهاي، فقمة “تيانجين” لم تؤسس لنظام عالمي جديد بعد، لكنها في الطريق، وعلينا كعرب وضع مصالحنا وخياراتنا وتقييم الوضع دوليا لأي اتجاه يمكننا الذهاب فيه.
فالنظام العالمي يتشكل خلف الكواليس، ومنظمة شنغهاي للتعاون التي عقدت مؤخرا بحضور رؤساء 10 دول أعضاء، إضافة إلى قيادات 10 دول أخرى تسعى للانضمام لها، فموسكو وبكين والمبادئ الخمسة التي قررتها القمة “الالتزام بالمساواة في السيادة، والامتثال للسيادة الدولية للقانون، وممارسة التعددية، والدعوة إلى نهج يركز على الشعوب، والتركيز على اتخاذ إجراءات فعلية” ومواجهة تصاعد الأحادية والهيمنة من جديد، خطوة في الاتجاه الصحيح.
فالخريطة السياسية للعالم ستتغير حتما، والامبراطوريات ستتساقط كما سقطت السابقات، والإرث سيبقى في الكتب فقط، وتغيير مسمى وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب رسالة تخويف لن تغير شيئا من قرارات قمة تيانجين، فالسلام الهش يحتاج إلى قرارات ورعاية صريحة من قادة عظماء ليكتب التاريخ أحرفهم من نور.
فالموقف الأميركي المنحاز لإسرائيل لن يعطل توجه دول العالم والشعوب للاعتراف بالدولة الفلسطينية يوما ما، ولكن يمكن أن ينهي سمعتها العالمية وسيطرتها، فالسياسة الحالية للولايات المتحدة تجاه الآخرين ستكون مفصلية، والشراكة والتعاون بين دول منظمة شنغهاي والصداقة الروسية الكورية الصينية وتنسيق المواقف بينهما إشارات إلى عدم الرضوخ للقرارات والسياسة الأميركية، وعلينا كعرب ضرورة أن نحدد طريقنا القادم بما يعود بالخير والاستقرار على منطقتنا وشعوبنا العربية من الخليج إلى المحيط وأن نستغل مقوماتنا وعلاقاتنا لتجاوز هذه الحقبة بكل أمان.. والله من وراء القصد.
*كاتب ومحلل سياسي عماني