العدد 6174
الثلاثاء 09 سبتمبر 2025
خالد كانو.. القائد المُلهِم
الثلاثاء 09 سبتمبر 2025

حين أستعيد ذكرياتي في غرفة تجارة وصناعة البحرين، يطلّ عليّ وجهٌ باسـمٌ لا يغيب عن الذاكرة، هو وجه المغفور له بإذن الله تعالى خالد محمد كانو، الرجل الذي لم يكن مجرد رئيسًا للغرفة للدورة 25 الممتدة من 22 أكتوبر 2001 إلى 15 نوفمبر 2005، بل كان قائدًا مُلهِمًا، وأخًا كبيرًا، وصاحب قلبٍ رحيمٍ لا يعرف إلا لغة العطاء.

كنتُ حينها مديرًا لشؤون اللجان والعلاقات العامة، وكان منصبي يفرض عليّ أن أكون قريبًا منه، بحكم تواصلي الدائم معه لمتابعة أعمال اللجان القطاعية واللجان المشتركة. لكن ما كان يدهشني أن اهتمامه لم يكن مجرد التزام وظيفي أو بروتوكول إداري، بل كان ينبع من شغفٍ حقيقي بتنمية القطاعات الاقتصادية، وإيمانٍ راسخٍ بأن الغرفة هي بيتٌ للتجار، وجسرٌ بين القطاع الخاص والدولة.

كثيرًا ما رأيته يتواصل مباشرة مع الوزراء لتذليل العقبات أمام التجار، وأذكر كيف كان يعقد اجتماعات متكررة مع  ولي العهد رئيس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة حفظه الله، ومع صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه، بروحٍ مخلصة هدفها الأول والأخير خدمة البحرين وأهلها.

وكانت له عناية خاصة بالوفود التجارية التي تزور البحرين، إذ يوصينا دائمًا أن نكرم ضيافتهم ونظهر الصورة المشرقة لمملكتنا.

وفي “الديوانية” بالغرفة، كان يجلس بين التجار وأعضاء اللجان، يستمع إليهم بعين الأب واهتمام القائد، يسعى لإزالة ما يواجههم من صعوبات بروحٍ عملية وحكيمة.

ومن المواقف التي لا أنساها حرصه الكبير على إنشاء مبنى الغرفة الجديد. كان يتابع بنفسه تفاصيل التصاميم مع الاستشاريين، حتى عرضها على سمو رئيس الوزراء، وجعل من حفل وضع حجر الأساس في يناير 2005 يومًا مشهودًا في تاريخ الغرفة.

ولم يكن اهتمامه محصورًا بالشأن الاقتصادي، بل إمتد إلى القضايا الإنسانية والقومية. فقد تابع عن قرب نشاط لجنة مناصرة الشعب الفلسطيني برئاسة الأخ عبدالرحمن يوسف فخرو، حيث أسهمت الغرفة آنذاك في إنشاء مستشفى البحرين للأطفال في الضفة الغربية، ومعهد مملكة البحرين لدراسات المرأة في جامعة بيرزيت. كما قاد حملة تبرعات الغرفة لضحايا زلزال مدينة “بم” الإيرانية عام 2004.

أما داخل أروقة الغرفة، فكان مختلفًا عن كثير من الرؤساء. كان قريبًا منا، يتفقد المكاتب واحدًا واحدًا، يلاحظ الأخطاء ولا يتهاون في إصلاحها، لكنه في الوقت نفسه لا يعاقب باندفاع، بل ينصح ويوجّه بروحٍ أبوية تُشعرك بالاطمئنان. وكان كثير المزاح، يضحك معنا، يلطّف الأجواء، ويرسم بابتسامته البسيطة راحةً في القلوب، ولم تنقطع علاقتنا به بانتهاء فترة رئاسته بل استمرت إلى آخر أيام حياته.

لقد كان خالد كانو رحمه الله مدرسةً في القيادة، ومثالًا في التواضع، ورمزًا في العطاء. علّمنا أن الإدارة ليست أوامر وتعليمات فقط، بل هي قلبٌ نابض بالحب والمسؤولية. سيبقى في ذاكرتي وذاكرة كل من عرفه قدوةً وعلمًا، ورحيله لم يطفئ أثره الذي باقٍ في الغرفة وفي قلوبنا جميعًا.

رحم الله أبا نبيل، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن وطنه وأمته خير الجزاء.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .