+A
A-

الأستاذ الدكتور حسن بن رفدان الهجهوج: الذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال لتمكين الشباب في بناء اقتصاد معرفي متجدد

 
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم الرقمي، أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا محوريًّا في دعم الإبداع وريادة الأعمال، لاسيما لدى فئة الشباب. فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنـية، بل تحوّل إلى محرّك فعّال لتوليد الأفكار الريادية وتحويلها إلى مشاريع مبتكرة ذات أثر واقعي.

ومن هذا المنطلق، تسعى المؤسسات التعليمية الحديثة، مثل جامعة المملكة، إلى دمج هذه التقنـيات في بيئتها التعليمية بهدف تمكين الطلبة من تطوير حلول قائمة على البيانات، وتصميم نماذج أولية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتحقيق انتقال فعلي من التعليم النظري إلى ريادة عملية تُسهم في بناء اقتصاد معرفي متجدد.

وفي هذا السياق، كان لنا هذا اللقاء الخاص مع سعادة الأستاذ الدكتور حسن بن رفدان الهجهوج، رئيس الجامعة، للحديث عن أهمية الذكاء الاصطناعي في تمكين الشباب من الابتكار وتحقيق طموحاتهم الريادية.

كيف يمكن لتقنـيات الذكاء الاصطناعي أن تساعد الطلاب على تطوير أفكار ريادية وتحويلها إلى مشاريع ناجحة؟
تقنـيات الذكاء الاصطناعي تشكل محركًا قويًّا لإطلاق إبداعات الطلاب الريادية وتحويلها إلى مشاريع ناجحة. فهي تتيح للطلاب توليد الأفكار وتطويرها بوتيرة أسرع من الأساليب التقليدية، عبر تحليل كم هائل من البيانات واقتراح رؤى مبتكرة. على سبيل المثال، يمكن للطالب اليوم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتحليل اتجاهات السوق واحتياجات المستهلكين بسرعة، مما يساعده على التحقق من جدوى فكرته التجارية في وقت وجيز.

إضافة إلى ذلك، تساهم التقنـيات التوليدية في تسريع عملية تصميم النماذج الأولية واختبارها، ما يوفر بيئة تجريبية غنـية تمكن الطلاب من تجربة أفكارهم وتحسينها بشكل تكراري دون انتظار طويل للحصول على النتائج. وقد لوحظ أيضًا أن النماذج الأولية المبنـية بالذكاء الاصطناعي توفر تغذية راجعة أكثر جدوى مقارنة بالأساليب التقليدية، نظرًا لدقة التصور الذي تقدمه.

ومن الأمثلة الواقعية، ما نشهده عالميًّا من طلاب في مراحل الثانوية والجامعة طوّروا حلولًا تعليمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمساعدة أقرانهم ومعلميهم؛ أي أن الطالب لم يعد مجرد مستهلك للتكنولوجيا، بل أصبح صانعًا لها بفضل هذه الأدوات. هذه التجارب تؤكد أن الذكاء الاصطناعي أصبح حافزًا قويًّا للعمل الريادي لدى الشباب، إذ يمنحهم قدرات غير مسبوقة لتحويل الأفكار إلى حلول فعلية على أرض الواقع.

ما أبرز الطرق التي يمكن لرواد الأعمال الجدد الاستفادة بها من البيانات الضخمة لتحديد احتياجات السوق وابتكار حلول جديدة؟
في عصر البيانات الضخمة، يمتلك رواد الأعمال الجدد كنزًا من المعلومات يمكن استغلاله لفهم السوق وابتكار منتجات وخدمات تلبي الاحتياجات الفعلية. تحليل كميات هائلة من بيانات المستهلكين والسوق يمكن رائد الأعمال من رصد الثغرات والفرص غير المرئية بالوسائل التقليدية.

 فعلى سبيل المثال، تحليل اتجاهات البحث وبيانات وسائل التواصل الاجتماعي والتعليقات الإلكترونـية يساعد في اكتشاف احتياجات غير ملباة لدى العملاء واتجاهات ناشئة قبل أن تصبح سائدة. باستخدام أدوات تحليل البيانات المتاحة، يمكن حتى للشركات الناشئة الصغيرة القيام بهذا الدور والاستفادة منه بشكل كبير.

وعندما يُبنى تطوير المنتج على رؤى مستمدة من البيانات بدلًا من الحدس فقط، ترتفع احتمالية نجاح المنتج في السوق بشكل ملحوظ، إذ تشير الإحصاءات إلى أن المنتجات المطورة استنادًا إلى تحليلات بيانات تحقق فرص نجاح أكبر. باختصار، أصبحت البيانات الضخمة البوصلة التي توجه رواد الأعمال نحو احتياجات السوق الحقيقية وأفضل السبل لابتكار حلول جديدة ومجدية.

ما الأدوات والمهارات التي يحتاجها الطالب اليوم للانتقال من التعليم النظري إلى بناء مشروع ريادي مدعوم بالذكاء الاصطناعي؟
للانتقال من قاعة المحاضرة إلى تأسيس مشروع ريادي فعلي مدعوم بالذكاء الاصطناعي، يحتاج الطالب إلى مزيج متكامل من المهارات النظرية والعملية مدعومة بأدوات تقنـية حديثة.

أولًا، لا غنى عن بناء أساس قوي في مفاهيم الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة وتحليل البيانات لفهم آليات عمل هذه التقنـيات. الإلمام بالمبادئ الأساسية مثل تدريب النماذج وآلية عمل الخوارزميات بات ضروريًا لدمج الذكاء الاصطناعي في المشروع.

لذا، تشجع جامعة المملكة طلابها على تنمية الثقافة التقنـية بجانب المعارف التخصصية. فقد عقدت الجامعة دورات تدريبية متعددة في استخدامات أدوات الذكاء الاصطناعي لتزويد الطلاب والخريجين بالمعرفة والمهارات المطلوبة، كما أنشأت مركز بحوث متخصص في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبرانـي لتبنـي الأفكار والبحوث العلمية وتطبيقها.

إلى جانب المعرفة التقنـية، يحتاج الطالب إلى مهارات حل المشكلات بطريقة إبداعية وتصميم الحلول، بالإضافة إلى إتقان مهارات تحديد المشاكل وطرح الأسئلة الصحيحة، وهي مهارات جوهرية لتوظيف الذكاء الاصطناعي. كما تُعتبر مهارات إدارة المشاريع والعمل الجماعي والتسويق ضرورية لضمان نجاح المشروع ليس فقط تقنـيًّا، بل أيضًا في السوق.

لذلك، تتبنى جامعة المملكة منهجية شمولية تجمع بين التعليم النظري والتدريب العملي المكثف من خلال مشاريع تطبيقية ومسابقات هاكاثون، ما يمكّن الطالب من الانتقال بثقة وكفاءة من مقاعد الدراسة إلى ميدان ريادة الأعمال.

كيف يمكن دمج الأنشطة الترفيهية في البيئة الجامعية لتعزيز الإبداع والابتكار لدى الطلاب؟
لا يقتصر بناء عقلية مبتكرة على قاعات الدراسة والمختبرات فقط، بل للبيئة الجامعية دور جوهري في تحفيز الإبداع من خلال الأنشطة الترفيهية والثقافية إلى جانب المنهج الأكاديمي.

تسعى جامعة المملكة إلى خلق حرم جامعي نابض بالحياة يوفر للطلاب فرصًا لممارسة هواياتهم والمشاركة في فعاليات ممتعة، لتعزيز التواصل بين الطلاب من تخصصات مختلفة في أجواء غير رسمية، ما يؤدي إلى تبادل الأفكار. كما توفر الأنشطة الرياضية والألعاب الجماعية متنفسًا من ضغوط الدراسة، وفي نفس الوقت تطور مهارات العمل الجماعي والقيادة بشكل طبيعي.

كل ذلك يصب في بناء عقلية متجددة وقادرة على الابتكار. إذًا، دمج الترفيه والإبداع في الحياة الجامعية ليس ترفًا جانبيًّا، بل جزء أساس من إعداد عقول مرنة ومبتكرة قادرة على توليد أفكار ريادية داخل الجامعة وخارجها.

ما نوع البرامج الجامعية التي تؤهل الطلاب لسوق العمل المتغير وتمنحهم فرصًا عملية قبل التخرج؟
مع تسارع التغيرات في سوق العمل، بات من الضروري تبنـي الجامعات برامج تعليمية مرنة تركز على التعلم بالممارسة لمنح الطلاب خبرات عملية حقيقية قبل التخرج.
من أبرز هذه البرامج التدريب العملي والتعاون الوظيفي، حيث تُدمج فترات من التدريب الميدانـي داخل الشركات ضمن الخطة الدراسية. هذه التجارب تتيح للطلاب تطبيق ما تعلموه في الفصل، وتطورهم مهنـيًّا عبر الاحتكاك المباشر ببيئة العمل وتحدياتها.

بالإضافة إلى التدريب العملي الخارجي، هناك نماذج تطبيقية داخل الجامعة، مثل مشروعات التخرج العملية بالتعاون مع شركات، أو مراكز ريادة الأعمال وحاضنات المشروعات الجامعية. في جامعة المملكة، على سبيل المثال، تم إنشاء مركز ريادة الأعمال وحاضنة أعمال داخل الحرم الجامعي لدعم الطلاب أصحاب الأفكار وتحويلها إلى شركات ناشئة.

كما أطلقت الجامعة برامج دراسية متخصصة تستجيب لمتطلبات القطاعات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والأمن السيبرانـي، مع مشاريع تطبيقية مكثفة بالتعاون مع شركات تقنـية.

بالإضافة إلى ذلك، تنظم الجامعة معارض وظيفية ودورات تدريبية قصيرة يقدمها خبراء من الصناعة، لإطلاع الطلاب على أحدث المستجدات في ميادينهم. كل هذه الجهود تسد الفجوة بين التعليم النظري والتطبيق العملي، وتخرج طالبًا مجهزًا بالعلم والخبرة، مستعدًا لسوق عمل متسارع التغير بثقة ومرونة.

كيف يمكن للمزج بين العلوم التقنـية والفنون الإبداعية أن يُسهم في إيجاد حلول غير تقليدية للتحديات المعاصرة؟
إن أعقد التحديات التي نواجهها غالبًا ما تتطلب حلولًا غير تقليدية تنبع من رؤى متعددة الزوايا، ومن هنا تبرز أهمية المزج بين العلوم التقنـية والفنون الإبداعية في توليد أفكار وحلول مبتكرة.

النتيجة هي منتجات أكثر ملاءمة للمستخدم وأكثر تأثيرًا، فالمنتج التقنـي المدعوم بلمسة فنـية يصبح أكثر قبولًا واستخدامًا.

النهج المتقاطع بين التخصصات يفتح آفاقًا واسعة للخروج بحلول لمشكلات استعصت على النهج التقليدي. لذا تحرص جامعة المملكة على تعزيز ثقافة المشروعات المشتركة بين الكليات، وتشجع الطلاب على تجربة مشروعات يجتمع فيها التقنـي مع المبدع لحل مشكلة ما. هذه التجارب لا تخلق حلولًا مبتكرة فحسب، بل تصقل مهارات التواصل وفهم وجهات نظر مختلفة، مما يؤهلهم ليكونوا صناع تغيير يمتلكون أدوات علمية وروحًا إبداعية في آنٍ واحد.

ما أهمية تبنـي مناهج متعددة التخصصات في الجامعات، وكيف تساهم في إعداد خريجين أكثر تكاملًا ومرونة لمتطلبات المستقبل؟
تبنـي مناهج متعددة التخصصات في التعليم العالي لم يعد ترفًا فكريًّا، بل ضرورة لإعداد خريجين قادرين على التكيف مع متطلبات المستقبل المعقدة.

المقاربات متعددة التخصصات تكسر الحواجز بين مجالات المعرفة، وتمكن الطالب من رؤية الصورة الكاملة وفهم الترابط بين العلوم المختلفة. فعندما يستطيع الطالب بناء جسور معرفية بين حقول متنوعة، مثل الاقتصاد وعلوم البيانات أو الفلسفة وتقنـيات البرمجة، يكتسب قدرة فريدة على ابتكار حلول شاملة.

خريج المنهج متعدد التخصصات يكون أكثر جهوزية للتعامل مع وظائف لم تظهر بعد أو دمج مجالات وظيفية مختلفة في عمل واحد، وهي سمات مطلوبة في قادة المستقبل القادرين على حل مشكلات عصرهم بشكل مبتكر ومسؤول.

من هذا المنطلق، تتبنى جامعة المملكة نهج المناهج متعددة التخصصات، مثل الهندسة المدنـية والبيئية، وعلوم الحاسوب التي تشمل مسارين: الذكاء الاصطناعي والأمن السيبرانـي.

نحن على ثقة أن هذا النهج يصنع خريجًا أكثر تكاملًا ومرونة، مستعدًّا لمتطلبات المستقبل وقادرًا على قيادة التغيير في مجتمعه.

  إن العالم اليوم بحاجة إلى خريجين ورياديين يمتلكون المعرفة التقنـية العميقة والمهارات الإبداعية والشمولية الفكرية معًا. جامعة المملكة، كغيرها من المؤسسات التعليمية الطموحة، تدرك هذه الحقيقة وتعمل على توفير بيئة تعليمية متكاملة - من تقنـيات الذكاء الاصطناعي لإثراء تجربة التعلم وتوجيه الأفكار الريادية، إلى بيئة جامعية داعمة للإبداع عبر الأنشطة الترفيهية والثقافية، إلى برامج تدريبية وعملية تربط الطالب بسوق العمل قبل تخرجه، وصولًا إلى مناهج متعددة التخصصات تعده لعالم متعدد الأبعاد.
فهكذا يُصنع خريج المستقبل: مزودًا بالأدوات التقنـية، مشبعًا بروح الابتكار، وقادرًا على التعلم والتكيف مدى الحياة.