في الصف، جلست تحدّق في ورقتها وقد حصلت على ٨ من ١٠، بينما صديقتها بجانبها رفعت ورقتها بفخر وقد نالت العلامة الكاملة. لم ترَ إنجازها، بل شعرت أن نجاحها ضئيل أمام نجاح غيرها. كبرت وكبرت معها عادة النظر إلى الآخرين قبل النظر إلى نفسها، فكلما تقدمت خطوة، التفتت لترى أين وصل غيرها، فتتضاءل ثقتها بما أنجزته وبنفسها.
مقدمتنا ليست عنها وحدها، بل عن كثيرين منا. فالمقارنة تبدأ صغيرة في طفولتنا، ثم ترافقنا في العمل والعلاقات وحتى في تفاصيل حياتنا اليومية. لكن هل هذه المقارنات تدفعنا للتطور أم أنها تهدم ثقتنا بأنفسنا ببطء؟
المقارنة، في جوهرها، ليست سوى وهم. هي عدسة مشوّهة ننظر من خلالها لحياة الآخرين، نرى لحظة مضيئة من واقعهم ونضعها في مواجهة كل تفاصيل واقعنا المليء بالظلال والتناقضات. كما قال الفيلسوف سقراط: “اعرف نفسك، ولا تقارنها بغيرك؛ ففي المقارنة تضيع الحقيقة.”
الحقيقة أننا عندما نغرق في المقارنة، نصبح سجناء توقعات الآخرين وصورهم، بدلًا من أن نكون أحرارًا في بناء قصتنا الخاصة. نحن ننسى أن لكل إنسان معارك وجروحا خفية لا تُعرض على العلن.
“المقارنة تسرق الفرح” كما قال ثيودور روزفلت، لأنها تجعلنا نرى ما ينقصنا بدلًا من أن نرى ما لدينا.
فمنذ طفولتنا نقارن بلا وعي: درجاتنا، ألعابنا، لباسنا، وحتى طريقة جلوسنا أو ضحكنا. يكبر الإنسان ويظن أنه تحرر، لكن في عالم وسائل التواصل الاجتماعي تتحول المقارنة إلى هاجس يومي. كل صورة، كل نجاح معلن، كل إنجاز يُشعرنا أن حياتنا أقل اكتمالًا.
فمنصات التواصل الاجتماعي مليئة بالصور التي تُظهر لحظات منتقاة من حياة الآخرين، إذ إننا نرى أفضل ما لدى الآخرين مقابل تفاصيلنا اليومية العادية. فنركز على حياة الآخرين وإنجازاتهم ونغمض أعيننا عن ظروفهم ووعورة طريقهم، ونغفل النظر لما يواجهونه خلف العدسة، فنقع في فخ “الصورة الكاملة” ونحكم على حياتنا بالنقصان.
تشير الدراسات إلى أن كثرة تصفح مواقع التواصل الاجتماعي تزيد من المقارنة الاجتماعية، ما قد يضعف ثقتنا بأنفسنا. حيث إن الأشخاص الذين يقارنون أنفسهم بكثرة على وسائل التواصل يشعرون برضا أقل عن حياتهم، خصوصًا فيما يتعلق بالجمال، والنجاح، والعلاقات.
والحقيقة أنه حين نرضى بما لدينا، نفتح أبواب الامتنان. ننظر لما لدينا بعيون مختلفة، نرى في تفاصيلنا الصغيرة جمالًا يليق بنا، ونفهم أن قيمتنا لا تُقاس بما نملك ولا بما نظهره، بل بما نصنعه في داخلنا من سلام وطمأنينة.
“لا تقارن حياتك بغيرك.. فأنت لا تعرف ماذا فقدوا مقابل ما كسبوا” هي المقولة التي يرددها الكثيرون على سبيل النصح والقناعة.
في دراسة منشورة في Journal of Social and Clinical Psychology (2018) وُجد أن تقليل استخدام وسائل التواصل يقلل من مشاعر الغيرة ويحسن الصحة النفسية.
حيث يفسر علم النفس هذه الظاهرة بما يُسمى “النظرية الاجتماعية للمقارنة” التي وضعها ليون فستنغر عام 1954، حيث يرى أن الإنسان مدفوع بطبيعته إلى مقارنة نفسه بالآخرين لفهم مكانته الاجتماعية وتقدير قيمته. المقارنة إذا غريزة، لكنها تتحول إلى فخ عندما تكون غير عادلة أو مستمرة بلا توقف. كما يقول الفيلسوف مونتين: “كل إنسان يقيس نفسه بمسطرة غيره، فيظلم ذاته مرتين.”
المقارنة تعطل تطورنا وتجعلنا مترددين في خوض تجارب جديدة خوفًا من الفشل أمام الآخرين، حيث يصبح أي إخفاق صغير هزيمة كبرى في أعيننا.
المقارنة بالآخرين قد تكون أداة للنمو إذا استخدمناها بحكمة، لكنها تتحول إلى مرآة مشوّهة تسلبنا الرضا. نحن لسنا نسخًا مكررة، ولكل إنسان منا قصته، وظروفه، وإيقاعه الخاص. والنجاح الحقيقي أن نرى أنفسنا بوضوح بعيدًا عن عيون الآخرين.
المقارنة بالآخرين قد تمنحنا دافعًا إن تعاملنا معها بوعي، لكنها في الغالب مرآة مشوّهة تضعف ثقتنا بأنفسنا. نحن لا نعيش على خط واحد ولا نتقاسم نفس الظروف.
في النهاية، الحياة ليست سباقًا لنصل فيه قبل الآخرين، بل رحلة خاصة بكلٍ منا. رحلتك لا تُشبه رحلتي، وما يبهج قلبك قد لا يعني لي شيئًا. لذلك، دعنا نعيش تجاربنا كما هي، بلا مقارنة، وبكثير من الرضا. عندها فقط نصبح أكثر قربًا من ذواتنا، وأكثر قدرة على أن نحيا بسلام.
كاتبة ومستشارة في العلاقات العامة وصناعة الصورة الذهنية