العدد 6166
الإثنين 01 سبتمبر 2025
لماذا نحتاج إلى ذكرياتنا؟
الإثنين 01 سبتمبر 2025

مقاطع لاجتماعات، ولقطات لتجمُّع الأصدقاء، وضحكات ومقتطفات من هنا وهناك، 3 سنوات، 5 سنوات، أقل أو أكثر، لا يهم، فأنا أرسلهم لأنني أحب أن أشاركك كل الذكريات! نفسِّره دومًا بأنه هوس التوثيق، والتصوير على حساب اللحظة، رغم الآراء الكثيرة التي لا تحبذه والتي تجده مبالغة، خصوصًا حينما يصل طبقك وتُحرمين من تناوله ساخنًا لأن صديقتك تريد تصويره! لنقف قليلًا على الحياد ولنرَ الأمر من زاوية أخرى، ماذا لو كنا نوثِّق اللحظات لنسترجعها حينما تخوننا الذاكرة؟
تُعد الذكريات أحد أعظم الكنوز التي يمتلكها الإنسان، هي خيط الحرير الذي يربط ماضينا بحاضرنا، فهي ليست مجرد أحداث منقوشة في الذاكرة، بل هي خيوط دقيقة تنسج هويتنا وتشكل نظرتنا للحياة. الاحتفاظ بالذكريات يمنحنا القدرة على استعادة اللحظات الجميلة في أوقات الوحدة، أو الخذلان، أو المرض، وتعزز صلتنا بمن نحب حتى إن ابتعدوا أو غابوا.. أو كما يقول جبران خليل جبران: “الذكريات جواهر الزمن، نخبئها في صناديق القلب.”
هناك تعبير لطيف نردده حينما نتعرف على أصدقاء جدد أو حينما ندخل في علاقة جديدة: “أريد أن أصنع ذكريات معك”، أن نجوب شوارع المدينة، ونمارس الهوايات، أن نغني ونرقص ونركض تحت المطر، أن نلتقط الكثير من المواقف والصور لعلها تواسينا أو تسحبنا معها إلى قاع الليل حينما تحين ساعة الفراق.
لأحلام مستغانمي عبارة تتناسب مع ما قصد: “الذكريات لا تقيم فينا بل هي تغلِّف حياتنا؛ إنها كل ما حولنا من أشياء نحيط أنفسنا بها، ما نلمسه، ما نلبسه، ما نحتفظ به، ما لا ينفع لشيء ونرفض أن نلقي به.. إنها فخنا.”
الذكريات تعطي لحياتنا قيمة ومعنى، وتحافظ على إنسانيتنا وتربطنا بهويتنا وماضينا. فكما قال الشاعر الفرنسي مارسيل بروست: “الذاكرة هي الوسيط الوحيد الذي يربطنا بالزمن الضائع.” من خلال الصور، أو الرسائل، أو حتى الأشياء الصغيرة التي نحتفظ بها، تتشكل مشاعرنا القديمة، ونستحضر الإحساس بالحب أو الفرح أو الحنين وكأنها لم تغب قط عنا.
علم النفس يشير إلى أن استرجاع الذكريات السعيدة يسهم في تعزيز المزاج وتقوية المرونة النفسية. ففي دراسة نشرتها مجلة  Psychological Science، وُجد أن الأشخاص الذين يسترجعون لحظات دافئة من ماضيهم يشعرون بمزيد من الأمان والرضا.
لا تقتصر الذكريات على الفرد فحسب، بل تمتد لتُشكِّل ذاكرة جماعية. فالصور الجماعية والقصص المتناقلة من جيل إلى آخر تحفظ ترابط العائلة وتغرس فينا الانتماء والشوق الدائم لاستعادة اللحظات. كما أكد محمود درويش: “الذاكرة هي انتصار على الغياب.”
الفنون بأشكالها المختلفة، من كتابة اليوميات إلى التصوير والرسم، ما هي إلا وسائل لحفظ الذكريات. فهي تعكس قدرتنا على مقاومة الفناء والزمن. يقول الكاتب الأميركي جون شتاينبك: “الذاكرة هي دفتر الملاحظات الذي نحمله جميعًا.”
الاحتفاظ بالذكريات ليس مجرد نزعة عاطفية، بل هو فعل وجودي يحفظ للإنسان استمراريته ويمنحه القدرة على مواجهة الحاضر بعين ممتنة. يقول غابرييل غارسيا ماركيز: “الحياة ليست ما عشناه فقط، بل ما نتذكره منها وكيف نحكيه”. إننا حين نعود إلى الماضي عبر ذكرياتنا، لا نهرب من الواقع، بل نمد أنفسنا بطاقة من اليقين بأن في الحياة لحظات تستحق أن تُعاش وتُحفظ. أو كما أجاد ألبرت هوبارد في وصفها: “عجائب الحياة تختفي، لكن الذكريات تبقى إلى الأبد.”

كاتبة ومستشارة في العلاقات العامة وصناعة الصورة الذهنية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية