إشكالية غالب العلاقات الإنسانية أننا نبقى عالقين في منتصفها، متأرجحين مع صوت فيروز وهي تغني: “إذا رجعت بجن وإن تركتك بشقى، لا قدرانة فلّ ولا قدرانة إبقى”. كم مرة جافاك نومك وأنت تفكر: هل هذا مكاني؟ وهل هذا ما أستحقه؟ “سأحزم حقائبي وأرحل”، وتبدأ بصفّ المزايا والعيوب. العيوب تتفوق بنقطتين، وقلبك يرجح كفة مزايا غير موجودة إلا في خيالك. وتشرق عليك شمس الصباح، وتنسى كل هواجسك الليلية، لتعاود الكرة كل ليلة.
يقول الروائي واسيني الأعرج في هذا الموضع: “توجد في حياة الإنسان لحظة غريبة لا يعرف كيف يفسرها، ولا يدرك سرها أبدًا، لكنها تصنع كل شيء في حياته القادمة”.
هل كل أرض تستحق الحرث؟ وهل كل معركة تستحق النضال؟
العلاقات التي تمضي فيها ساعات طويلة وأنت تسأل نفسك “لماذا؟”، وتنتظر الجواب وتسرق فيها طمأنينتك وأنت تنتظر، وتسعد بفتات وقته واهتمامه، لا تستحق.
نُخدع بفورة المشاعر في البدايات، ورفرفة الفراشات، وباهتمام يجعلنا نرى العالم باللون الوردي. البداية التي تجعلنا نتوق لـ “صباح الخير” من المحبوب، ولسماع أسمائنا وكأننا نسمعها أول مرة، والمشاعر التي تُغلّف الحقائق ببريق يُعمينا عن أمور جوهرية ستكون مصدرًا لإيذاء مشاعرنا لاحقًا.
علاقاتنا بالآخر تنضج وتتطور مع مرور الوقت، ومن الطبيعي أن يظهر ما لم ننتبه له بفعل طيران الفراشات. “لا أريد من الحب غير البداية” كما يقول الشاعر محمود درويش.
نعي أن هناك فروقًا فردية في قدراتنا على التعبير وعلى ترجمة مشاعرنا، ولكن هناك أساسيات وحد أدنى من الاحترام في تعاطينا مع الآخر. كأن ترسل رسالة وأنت الذي أمضيت يومًا تراقب شاشة جوالك: “هل أرسل؟” ليأتيك الرد بعد ساعات على شكل وردة أو وجه مبتسم (قاتل الله الإيموجي!). والله لا يستحق!
كتب الفيلسوف الألماني شوبنهاور: “الاحترام هو القاعدة الأولى في الحب، ومن دونه يتحول الارتباط إلى قيد”.
من يستخسر أن يشاركك تفاصيل يومه لا يراك فيه أصلًا، لا تتعب نفسك، أو كما يقولون: “لا تستمر أبدًا في علاقة تبذل فيها مجهودًا لكي ينبهر بك الطرف الآخر، ولكن استمر في علاقة تتساءل فيها دومًا: ماذا فعلت حتى يراني بكل هذا الكمال؟”.
العلاقات الإنسانية، مهما كانت طبيعتها، نسيج معقد من المشاعر والتجارب والتوقعات. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه دومًا هو: لماذا لا نغادر العلاقات السامة بسهولة؟
في مثل هذه العلاقات ينشأ ما أطلق عليه روبرت فايرستون أستاذ علم النفس “الرابطة الخيالية” لوصف وهم التواصل الناشئ بين شخصين، والذي يساعد على التخفيف من مخاوفهم الفردية عبر تشكيل إحساس زائف بالارتباط. يتحول إلى حالة مسمّمة، حيث يُستبدل الشعور بالحب والدعم بالرغبة في دمج وصهر الهويات، وفقدان الشعور بالاستقلال.
العلاقات الصحية شراكة تنمو فيها الأحلام وتتوسع معها الآفاق. هي علاقة لا تؤثر على نشاطك وصفائك الذهني، ولا تؤجل بسببها طموحاتك لتنال الرضا. وهنا يحضر قول جبران خليل جبران: “لا تجالس من لا يُنهضك حاله، ولا يدلك على الله”.
العلاقات الصحية وُجدت لتسهيل الحياة، للمشاركة، لنُكمل بعضنا وليس لنهدر طاقاتنا في العبث، وصدق من قال: “إن بذل مجهود مضاعف للحفاظ على العلاقات مؤشر على فشلها”.
يا لهذا التناقض الذي تعاني منه هلا! هذا لسان حال من قرأ مقالي السابق بعنوان “الجسور التي تُبنى لا تُهدم”، سيشعر بتناقض بين الدعوة للبقاء “لكن الحقيقة أن البقاء ليس ضعفًا، بل هو بطولة من نوع آخر في كثير من الأحيان، بطولة أن ترى العيب وتحاول إصلاحه”، وبين دعوة اليوم بالرحيل.
ولكن الحقيقة أن العلاقات الإنسانية وتجارب الحياة بها ما يمكن تحمله والتغاضي لأجله وما يستحق، وبين ما يؤثر على حياتنا وثقتنا بأنفسنا، وهذا ما نقصده هنا.
هل ستتحمل ما تتضمنه العلاقة من إيذاء وسلبية؟ هل تستطيع تحمل القلق والضغط الذي يبتلعك يوميًا؟ ما الذي تجنيه؟ وما الذي ستضطر للتضحية به لاحقًا؟ هل لديك استعداد لبذل الوقت والصبر لإصلاح علاقة معطوبة؟ وهل لدى شريكك الاستعداد للبذل في المقابل؟
المهم أن تدرك أنك خُلقت للمحبة، وأنك تستحق علاقة صحية قوامها الاحترام، فالرحيل ليس نهاية القصة، بل بداية لاكتشاف ذواتنا. هو بوابة للخلاص حينما تُغلّف العتمة المكان. فكما نحتاج للشجاعة في الحب، نحتاج للشجاعة في القفز من زورق يغرق دون الشعور بالذنب ودونما التفاتة ندم إلى الوراء.