خفض الفائدة مرجح في سبتمبر وسط ضغوط سياسية تهدد استقلالية "الفيدرالي"
حذر الباحث في الشؤون الاقتصادية الأوروبية، ريان رسول، من خطورة التدخلات السياسية في قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، مؤكداً أن هذه الضغوط تهدد استقلالية المؤسسة النقدية وتضعف الثقة بالاقتصاد الأميركي والعالمي.
وقال رسول في مقابلة مع "العربية Business": "نسبياً لم يكن ما قام به جيروم باول في ندوة جاكسون هول مفاجئاً، إذ حاول التأكيد أن السياسات ستبقى معتمدة على البيانات، لكن المشكلة أن الأسواق بدأت تفهم أن الضغوط السياسية ستنعكس عاجلاً أم آجلاً على السياسة النقدية".
وأوضح رسول: "ما شاهدناه أشبه بإذعان – ولو نسبياً – للضغوط التي يمارسها الرئيس دونالد ترامب، خصوصاً في الفترة الأخيرة، حيث زادت ضغوطه على السلطة النقدية، وهذا ما يثير الشكوك بأن الفيدرالي سيتخذ قراراته بناء على اعتبارات سياسية أكثر من كونها قرارات نقدية مستقلة".
وأضاف: "النقطة الثانية المهمة هي أن هناك تغييراً في الإطار العام للسياسة النقدية للفيدرالي الأميركي، الذي اعتمد منذ عام 2020، وكان يسمح بارتفاع التضخم فوق مستوى 2% المستهدف في حال كان التضخم سابقاً دون هذا المستوى".
خطأ "الفيدرالي"
وتابع: "الخطأ الذي ارتكبه الفيدرالي والبنوك المركزية الأخرى بالسياسات بعد جائحة كوفيد تمثل في افتراض أن صدمة الأسعار كانت مؤقتة ولن تستمر، لكن بعد خمس سنوات لا نزال بعيدين عن مستويات الاستقرار".
وأشار رسول إلى أن الأثر الكامل للتعريفات الج مركية لم يظهر بعد، متوقعاً أن يتضح تدريجياً حتى نهاية العام وربما في العام المقبل، مضيفاً أن التضخم بلغ بالفعل مستويات أعلى من المستهدفات، حيث سجل التضخم الأساسي في يوليو 3.1% متأثراً بعوامل مثل الطاقة والنفط والغذاء ذات الطبيعة المتذبذبة، بينما بلغ التضخم العام 2.7%. وهذه الأرقام تبقى أعلى من المستهدف البالغ 2%، ما يعكس إخفاق الفيدرالي طوال السنوات الماضية في العودة إلى هذا المستوى.
ولفت إلى أن بعض التعريفات التي فرضها ترامب، إضافة إلى الاضطرابات في سلاسل الإمداد والاتفاقيات التجارية الجديدة، كلها عوامل تزيد من احتمالية أن تكون الضغوط التضخمية طويلة الأمد وليست مجرد صدمة مؤقتة. وأضاف أن القطاع الصناعي الأميركي غير قادر على استيعاب جميع الصناعات التي تتم في الصين والهند وغيرها داخل الولايات المتحدة، وحتى في حال نقلها فإن ذلك سيؤدي إلى خسائر كبيرة للشركات.
صدمة تضخمية على مراحل
وشدد رسول على أن سياسات ترامب "غير واقعية"، موضحاً أنه يحاول في الوقت نفسه زيادة إيرادات الدولة عبر رفع التعريفات الجمركية، ونقل الصناعات إلى الداخل الأميركي، وهذان الهدفان متعارضان. واعتبر أن النتيجة ستكون صدمة تضخمية ممتدة على مراحل خلال العام الحالي والعام المقبل، وليست آنية.
وقال: "بالنسبة للولايات المتحدة، لم يعد مستهدف التضخم عند 2% واقعياً. فهذا الهدف جاء أصلاً من أدبيات اقتصادية ظهرت في نيوزيلندا قبل نحو 20 عاماً، واعتمد كرقم ذهبي من قبل الاقتصاديين. لكن قد يتغير مع الوقت ليصبح 2.5% أو 3%."
وأضاف أن أوروبا مثلاً قادرة على تحقيق هذه الأرقام بشكل مستدام، بينما في الولايات المتحدة تبدو مستويات 2.5% أو 3% أكثر واقعية. وتغيير إطار السياسة النقدية قد يعني السماح بهامش أوسع، بحيث يصبح التضخم بين 2% و3% مقبولاً ومستداماً، لأن طبيعة الاقتصاد الأميركي مختلفة عن الاقتصادات الكبرى الأخرى.
وأوضح رسول: "اليوم نشهد تخبطات سياسية واقتصادية في ظل إدارة ترامب قد تدفع الفيدرالي لاستخدام هامش أوسع في مستهدفاته. فالاقتصاد الأميركي يتمتع بنمو أكبر وبطالة أقل، ما يسمح ببعض المرونة في السياسة النقدية. لكن من جهة أخرى، أشار باول إلى أن سوق العمل ما زال متوازناً رغم بعض الاضطرابات، وهذا قد يكون مؤشراً على أننا مقبلون على ركود تضخمي حيث ترتفع البطالة ويبقى التضخم فوق 3%."
أكد أن السبب وراء تغير نبرة باول في خطابه بندوة جاكسون هول يعود إلى عدة عوامل، منها اقتراب انتهاء ولايته في منتصف مايو المقبل، والضغوط الكبيرة التي يتعرض لها من إدارة ترامب، سواء عبر الحديث عن إقالة أحد أعضاء مجلس الاحتياطي أو عبر التعيينات الجديدة التي يُتوقع أن تكون أكثر ميلاً للسياسة التيسيرية.
ورأى أن "كل هذه التطورات تشير إلى أن استقلالية الفيدرالي الأميركي باتت مهددة بشكل خطير، وهو ما يقوض الأساسات التي جعلت من الاقتصاد الأميركي الأكبر والأكثر موثوقية في العالم."
ورجّح أن يشهد سبتمبر المقبل خفضاً في أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، رغم وجود آراء أقل ترجيحاً تتحدث عن خفض بـ50 نقطة أساس، في حين يفضل بعض أعضاء لجنة السوق الفيدرالية المفتوحة (FOMC) الإبقاء على الفائدة عند مستوياتها الحالية.
