العدد 6156
الجمعة 22 أغسطس 2025
تأثير الرسوم الجمركية الأميركية
الجمعة 22 أغسطس 2025

لقد تطرقنا في مقالات سابقة إلى مدى جدوى الرسوم الجمركية في علاج العجز التجاري الذي تعاني منه أميركا. والفكرة كانت على أساس أن العجز التجاري ما هو إلا أحد أعراض مشاكل الاقتصاد الأمريكي، وليس بالضرورة المشكلة في حد ذاتها. الآن وقد تم تطبيق سياسة الرسوم الجمركية، فلعلنا نتساءل عن تأثير مثل هذه السياسة على الاقتصاد الأمريكي أولًا، وعلى اقتصادات العالم بشكل عام.

بعد كرٍّ وفرٍّ أصبحت الرسوم الجمركية على صادرات دول العالم إلى الأسواق الأمريكية إلى حد ما معروفة الآن، فيما عدا رسوم صادرات بعض الدول التي ما زالت خاضعة لمزيد من المفاوضات، كالوضع مع الصين الذي أُعطيت فيه الفرصة لمدة 90 يومًا أخرى لمزيد من الأخذ والعطاء. بالطبع، ليست كل الدول راضية عن هذه الرسوم، خاصة دول مثل كندا والمكسيك والبرازيل وسويسرا، كما أن رسومًا عالية أيضًا فُرضت على الهند ليس لها علاقة بوضع التجارة بين الهند وأمريكا، لكن لأسباب سياسية تتعلق بشراء الهند للنفط الروسي الخاضع للمقاطعة. بالطبع، لا زالت هناك محاولات من قبل بعض الدول لتخفيض هذه الرسوم، خاصة من قبل كندا والمكسيك، وبالطبع الهند أيضًا، إلا أنه بشكل عام، ومهما استقرت عليه هذه الرسوم، فلن تكون بالطبع على نفس المستوى السابق. وبغض النظر عن المستوى الذي سوف تستقر عليه هذه الرسوم في النهاية، فإنها بالتأكيد سوف تُحدث تغييرًا كبيرًا في العلاقات التجارية بين أمريكا وبقية دول العالم.

على صعيد أميركا، فإن هذه الرسوم سوف تؤثر على قطاعات تجارية واقتصادية عدة. أولى الملاحظات في هذا الشأن هو انخفاض مستوى الواردات إلى الأسواق الأميركية. فمع الرسوم الجديدة، فإن بضائع بعض المصدرين لم يعد في إمكانها المنافسة في الأسواق الأمريكية. وقد أدى ذلك إلى عدم توفر بعض البضائع والسلع، بالإضافة إلى محدودية الخيارات لدى المستهلك الأمريكي مقارنة بما كان عليه الحال في السابق. هذا إضافة إلى أن البضائع التي لا زالت تصل إلى أمريكا لم تعد أسعارها كما كانت، بل إن المستهلك الأمريكي أخذ يلاحظ بعض الزيادات في الأسعار على أثر تطبيق الرسوم الجديدة. ولا بد من الإشارة إلى أن تأثير الرسوم الجمركية الجديدة لم يظهر حتى الآن بشكل كامل، وذلك بسبب أن جزءًا هامًا من السلع والبضائع المعروضة هو من الدفعات التي سبق أن وصلت إلى الأسواق الأمريكية قبل تاريخ تطبيق الرسوم الجديدة. لذلك يُعتقد أن الأسعار الجديدة سوف تظهر في فترة لاحقة، مما سينعكس في شكل معدلات تضخم أعلى من المستوى الحالي.

كل هذه الأمور سوف تؤثر بالطبع في تقليص حجم الاستهلاك، كما أن ذلك سوف ينعكس في تردد أصحاب الأعمال عن زيادة التوظيف، وإرجاء خطط الاستثمار والتوسع إلى ظروف أخرى أكثر ملاءمة.

على صعيد آخر، فإن الرسوم الجديدة قد تدفع بعض المصدرين إلى التفكير في نقل عملياتهم الإنتاجية إلى داخل أميركا، وهذا في الواقع أحد أهداف الرسوم الجمركية، التي تسعى إلى جلب مزيد من الاستثمارات وعمليات الإنتاج إلى داخل أمريكا، وذلك لخلق مزيد من الأعمال والوظائف لصالح الاقتصاد الأميركي. وبدون شك، إن مثل هذا الهدف قد يكون قابلًا للتحقيق، إلا أن مثل هذه المسألة لن تكون بالسهولة ولا بالبساطة الممكن تصورها، حيث إن محاولة نقل عمليات إنتاج البضائع والسلع إلى داخل أمريكا سوف تظل تحتاج إلى استيراد، على الأقل، بعض المواد الأولية والمواد الوسيطة من الخارج، والتي ستنعكس الرسوم الجمركية عليها على سعر السلعة النهائية. هذا إضافة إلى أن تكلفة الأيدي العاملة في أمريكا هي بالطبع أعلى من غيرها في دول أخرى، الأمر الذي سينتهي في المحصلة بإنتاج بضائع وسلع أمريكية الصنع، لكن بتكاليف لا زالت عالية، وسيظل المستهلك الأمريكي يفتقد إلى السلع والبضائع التي كانت تصل إلى الأسواق الأمريكية بأسعار أفضل.

وبالتالي، فإن الأسواق الأميركية لم تعد توفر خيارات عديدة كالسابق، حيث أصبح على المستهلك الأميركي شراء احتياجاته من البضائع والسلع المنتجة محليًّا، بغض النظر عن جودة المنتج، وبغض النظر عن مستوى أسعارها. لقد أصبحت الأسواق الأمريكية أشبه بالاحتكار، على عكس ما تنادي به النظرية الرأسمالية من أهمية انفتاح الأسواق وضرورة تشجيع روح وجو المنافسة.

وهذا الوضع الجديد لا يبدو بأنه يختلف كثيرًا عن الوضع الذي ساد خلال العهد الشيوعي، والذي لم يكن فيه للمستهلك خيارات غير شراء المنتج المحلي، بغض النظر عن جودته أو سعره.

أما على صعيد تأثير الرسوم على الاقتصاد العالمي، فتشير بعض التقارير إلى احتمال انخفاض معدلات النمو الاقتصادي العالمي، كما أنه من المرجح أن ينخفض مستوى وحجم التجارة العالمية. هذا، كما أن بعض الدول، خاصة تلك التي طُبقت عليها رسوم جمركية عالية، يمكن أن تعمل على تخفيض اعتمادها على الأسواق الأمريكية في تصريف صادراتها، أي أن التعاملات التجارية لهذه الدول مع أمريكا يمكن أن تقل بشكل ملحوظ عما كان عليه الوضع في السابق.

هذا، كما أن بعض هذه الدول قد تتجه إلى فرض رسوم جمركية مماثلة على الصادرات الأميركية.

أما بالنسبة لتأثير الرسوم الجمركية على منطقتنا في دول مجلس التعاون، فلا يبدو بأن هناك تأثيرًا كبيرًا من جراء هذه الرسوم، أولًا نظرًا لمحدودية انكشاف تجارة دول المنطقة على الأسواق الأمريكية، إضافة إلى أن الرسوم المطبقة على دول المنطقة هي الأقل نسبيًّا مقارنة بما هو مطبق على بقية دول العالم.

لكن وبدون شك، فإن تأثير الرسوم الأمريكية الجديدة سوف يُحدث تغييرات هامة وكبيرة على طبيعة العلاقات التجارية الدولية. فبدلًا من حرية التجارة التي اتفقت عليها واستفادت منها دول العالم خلال، على الأقل، العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية، من خلال عضوية وقوانين منظمة التجارة العالمية، نجد أننا الآن نتجه إلى سياسات تجارية معاكسة، قائمة على الحماية ومتناقضة مع مبدأ وفلسفة الاقتصاد الحر، الذي روجت له أمريكا والدول الغربية بشكل عام، على أساس حرية انتقال عناصر الإنتاج، وتوطن الصناعات وفقًا للمزايا النسبية لكل دولة، وليس على أساس اعتبارات سياسية أخرى.

يبدو أن الوضع الجديد يؤسس لنظام تجاري ليس بالضرورة متفقًا عليه من قبل جميع الدول المعنية، لكن مفروضٌ بغض النظر، ولاعتبارات أكثرها سياسية لا تحظى برضى بقية الدول. ولذلك، فإن استدامة مثل هذا الوضع على المدى الطويل قد تكون محل كثير من الشك.

* الرئيس السابق لصندوق النقد العربي

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية