إن تأثير الأزمات الاقتصادية والمالية الأمريكية على بقية دول العالم لا يحتاج منا إلى تأكيد. لذلك فإننا نجد هذا المثل “عندما تعطس أمريكا يصاب العالم بالزكام” معبرا جدا وغير مبالغ فيه؛ وذلك على صعيد عدة مجالات تتأثر فيها اقتصادات العالم بما يحدث في أمريكا. إن تقلبات الأسواق المالية الأمريكية تنعكس مباشرة على البورصات العالمية. كما أن الأزمات المالية التي مرت بها أمريكا كان لها أصداء كبيرة وواسعة على كثير من اقتصادات العالم. واذا كان هذا الأمر صحيحا، فلا بد من أخذ الحيطة والحذر من أي بوادر مشاكل أو أزمات قد تواجه أمريكا، حتى وإن كان ذلك ليس له علاقة مباشرة بأوضاعنا الاقتصادية. ووفقا للتجارب السابقة وآخرها أزمة الرهن العقاري في عام 2008، فإن العالم معرض كما يبدو لتداعيات الازمات المالية التي تتعرض لها أمريكا. وما يدعونا إلى إثارة هذا الموضوع في الوقت الحالي هو تزايد القلق في أمريكا من تفاقم الاختلالات المالية المتمثلة في عجز الميزانية، والأهم من ذلك في تفاقم المديونية. وقد أثار إقرار الميزانية الأمريكية مؤخرا جدلا كبيرا ليس فقط من قبل أعضاء الحزب الديموقراطي، ولكن أيضا بين أوساط الحزب الجمهوري كذلك. ويرجع الجدل بشكل أساسي - حول مشروع الميزانية الذي اقر بصعوبة كبيرة - إلى التخوف من أن الميزانية المقترحة من شأنها أولا ان تزيد من حجم مديونية أمريكا بالإضافة إلى كونها قد تقلص من التمويل المطلوب للرعاية الصحية. على صعيد المديونية فإن المستوى الحالي والذي يتجاوز 36 ترليون دولار يعتبر مرتفعا جدا ويتجاوز نسبة 122 % من الناتج الإجمالي المحلي للاقتصاد الأمريكي. هذا كما إن الميزانية الجديدة من شأنها إضافة حوالي 3.3 ترليون جديدة الى المديونية الحالية خلال العشر سنوات القادمة. إن تزايد عجز الميزانية وتراكم المديونية من شأنه على الأقل من الناحية النظرية أن يؤدي إلى ارتفاع سعر الفائدة وذلك أن مثل هذا الوضع يثير مخاوف المستثمرين في أدوات الدين الأمريكية حيث يتوقعون نتيجة لهذه المخاوف أن يتم تعويضهم عن ذلك بعوائد مرتفعة على استثماراتهم خاصة أن أكثر من 80 % من هؤلاء المستثمرين هم من خارج أمريكا. أما على صعيد تأثير هذه الميزانية على خدمات الرعاية الصحية، فإنه يقدر أن البرنامج الحكومي والذي يوفر التأمين الصحي لأكثر من 71 مليون امريكي من ذوي الدخل المحدود وفئات الأطفال والنساء الحوامل، بالإضافة إلى كبار السن والمعاقين من شأن هذا البرنامج أن يتأثر سلبا وفقا لهذه الميزانية الجديدة حيث يتوقع أن يتم استقطاع حوالي 1 ترليون دولار من برنامج الخدمات الصحية خلال العشر سنوات القادمة. ويتوقع أن يخسر حوالي 12 مليون امريكي تأميناتهم الصحية خلال تلك الفترة وفقا لنص الميزانية الجديدة. على صعيد موضوع الضرائب فإن الميزانية الجديدة تتضمن خفضا في معدلات الضرائب، إلا أنه ووفقا لرأي بعض المحللين، فإن غالبية هذا الخفض سيذهب حسبما يبدو لصالح الفئات الميسورة أصلا مقارنة بما دونها من الطبقات الاجتماعية. حوالي 60 % من الامتيازات المرتبطة بهذا الخفض سيذهب الى الأغنياء مقارنة بما يمكن أن يستفيد منه الفقراء. وبالتالي تبدو هذه الميزانية عبارة عن إعادة توزيع الثروة لصالح الطبقات الغنية.
إن المشاكل الاقتصادية التي تعيشها أمريكا حاليا لا تقتصر فقط على عجز الموازنة وتضخم المديونية حيث إن موضوع الرسوم الجمركية ما زال يمثل إشكالية كبيرة في علاقة أمريكا مع كثير من دول العالم. إن تراكم هذه المشاكل واستمرارها دون حل من شأنه أن يزعزع الثقة في وضع الاقتصاد الأمريكي الذي على أثره يمكن لأمريكا أن تفقد مزيدا من جدارتها الائتمانية مما قد يرفع في المحصلة من تكاليف اقتراضها من الأسواق المالية هذا عدا عن إمكانية ابتعاد المستثمرين عن الأصول الأمريكية وما قد يترتب على ذلك من استمرار ضعف الدولار في التعاملات المالية العالمية. وبغض النظر عن جميع هذه الجوانب تضل المديونية المتضخمة لأمريكا تمثل أهم المخاوف وأكبر المخاطر التي يمكن أن تعرض ليس فقط أمريكا ولكن العالم أيضا لأزمة غير مسبوقة لا أحد يعلم كيف ستكون طبيعة تداعياتها. في مواجهة هذا الوضع الغير قابل للاستدامة يثار التساؤل حول الخيارات المتاحة للسلطات الأمريكية المعنية لمعالجة هذه المعضلة قبل أن تتفاقم أكثر، لكن حسبما يبدو أنه ليس من بين الخيارات المتاحة ما يمكن اعتباره حلول عملية قابلة للتطبيق. أول هذه الخيارات هو العمل على خفض الإنفاق بشكل كبير بحيث يكون متناسبا مع الإيرادات التي يمكن تحصيلها. لكن وللأسف لا يبدو أن هذا الخيار ممكنا حيث إن السياسة المالية الامريكية قد أدمنت الالتزام بمستويات معينة من الصرف والانفاق بشكل اصبح من الصعب التراجع عنه. الخيار الثاني هو أن تطلب الحكومة من البنك المركزي طباعة مزيد من الأموال لتسديد هذه المديونية كما تم على إثر أزمة الرهن العقاري في عام 2008 لكن زيادة عرض النقود بكميات كبيرة من شأنها اشعال موجة جديدة من التضخم الذي سيتضرر منه ليس فقط المواطن الأمريكي، ولكن المستثمرين من خارج أمريكا أيضا والذين سوف تتأكل قيمة استثماراتهم في أمريكا وفقا لذلك. الخيار الثالث وهو الأسوأ وفيه تعجز أو تتوقف أمريكا عن تسديد ديونها وهذا شبيه بما أشار اليه مؤخرا إيلون ماسك بأنه حالة افلاس. طبعا لا أحد يتصور أن أمريكا يمكن أن تفلس إلا أن حجم المديونية الحالية تبدو غير قابلة للحل. وإذا افترضنا إمكانية توقف أمريكا في يوم من الأيام عن تسديد ديونها فإن ذلك سيكون كارثة مالية تفوق بكثير ما مر به العالم من أزمات مالية سابقة. لا أحد يعلم كيف سيكون تأثير مثل هذه الصدمة على اقتصادات بقية دول العالم، إلا أنه لا سمح الله وإن حدث فإن تداعياته ستكون كالزلزال الاقتصادي الذي قد لا يستثني أحدا.