العدد 6133
الأربعاء 30 يوليو 2025
هل استقلالية البنك المركزي محل تساؤل؟
الأربعاء 30 يوليو 2025

إن الضغوط المستمرة التي يمارسها الرئيس الأميركي على رئيس الاحتياطي الفدرالي (البنك  المركزي الأميركي)، وذلك لإجباره على خفض سعر الفائدة، تثير التساؤل حول مدى حقيقة استقلالية البنك المركزي. ومن المتعارف عليه في كثير من دول العالم أن البنك المركزي يتمتع باستقلالية تحد أو تمنع التدخلات السياسية في مهامه وأعماله، لكن مثل هذا الوضع لا ينطبق في الوقع على جميع دول العالم، حتى في الدول المتقدمة مثل بريطانيا ظل البنك المركزي يخضع لوزارة المالية إلى وقت متأخر حتى أصبح كيانا مستقلا في العام 1997. لكن من الناحية النظرية أو من خلال التجربة العملية يبدو أن استقلالية البنك المركزي قد ساعدت في تحقيق استقرار أفضل للنظام المالي وكذلك على صعيد خفض مستويات التضخم. وهذا ينطبق على دور البنك المركزي في كل من الدول المتقدمة والدول النامية على حد سواء.
وعلى صعيد البنك المركزي الأميركي، فقد أنيطت به مسؤوليات محددة أهمها استقرار الأسعار وتحقيق أقصى ما يمكن من التشغيل الكامل. في مجال تحقيق هدف استقرار الأسعار يستخدم البنك المركزي السياسة النقدية من خلال خفض أو رفع أسعار الفائدة في التعامل مع التفاوت في معدلات التضخم عن المستوى المستهدف. وتعتبر نسبة 2 % تمثل المستوى المقبول من التضخم الذي لا يستدعي أي تحرك من البنك المركزي، حيث يقتصر التحرك على الحالات التي يكون فيها التضخم إما أعلى أو أقل من هذه النسبة.
أما على صعيد تحقيق التشغيل الكامل فيعمل البنك المركزي على تحقيق هذا الهدف من خلال التحكم في مستوى عرض النقود، وبالتالي يتمكن البنك المركزي من خلال هاتين السياستين، السياسة النقدية ومستوى عرض النقود، من تحقيق المهام الموكلة إليه في حفظ استقرار الأسعار وتحقيق أفضل وضع للتشغيل الكامل. وفي جميع الدول تقريبا يخضع البنك المركزي في تقييم أدائه للمساءلة التي تتطلب منه أن يقدم تقارير دورية للمشرعين وللرأي العام حول سياساته النقدية ونتائجها مدعومة بمزيد من الشفافية حول عملياته التي تندرج ضمن مهامه واختصاصاته.
وحسبما يبدو فإن استقلالية البنك المركزي تتفاوت من حالة إلى أخرى. فمقارنة بوضع البنك المركزي البريطاني الذي يتمتع الآن باستقلالية كاملة، فإن وضع البنك المركزي الأميركي يختلف بعض الشيء، حيث إنه يتمتع باستقلالية في وضع السياسة النقدية لكنه لا ينفرد تماما بسياسة الاستقرار المالي. 

كذلك ووفقا لبعض الظروف، فقد وجدنا أن بعض البنوك المركزية، بعكس المتعارف عليه، تضطر إلى ممارسة بعض الأنشطة التي قد لا تتسق تماما مع مبدأ استقلالية البنك المركزي، حين تتدخل لشراء السندات الحكومية لضخ مبالغها في تنشيط الاقتصاد، مثلما حصل على أثر الأزمة المالية بالعام 2008، وكذلك خلال فترة انتشار عدوى “كورونا”.
ويفسر لجوء البنوك المركزية إلى هذا الأسلوب بدلا من استخدام السياسة النقدية، بكون أسعار الفائدة في ذلك الوقت متدنية جدا تقارب الصفر، الأمر الذي لا يمكن خفضها أكثر؛ ما اضطر البنوك المركزية إلى اللجوء إلى ما يعرف بالتيسير الكمي لتحقيق هدف إنعاش الاقتصاد دون القدرة على مزيد من خفض سعر الفائدة، إلا أن هذا الإجراء كان له ثمنه، حيث إنه بمجرد أن بدأت أسعار الفائدة في الارتفاع فإن قيمة السندات التي اقتنتها البنوك المركزية أخذت في الهبوط، الأمر الذي انعكس في شكل خسائر في محافظ البنوك المركزية المعنية. وهذه الخسائر في الواقع لا تمثل سوء إدارة من قبل البنوك المركزية بقدر ما تمثل الثمن الذي ينبغي دفعه للحفاظ على الاستقرار المالي والاقتصادي، إلا أنه في هذه الحالات التي تظهر فيها بيانات البنوك المركزية نوعا من الخسائر فإن استقلالية البنوك المركزية تكون تحت المحك؛ حيث تزداد في هذه الحالات الضغوط السياسية على البنوك المركزية؛ وذلك لأن ربحية البنوك المركزية مهمة للسلطة السياسية؛ حيث تدعم وضع الميزانية وتجنب بالتالي السياسيين اللجوء إلى خيارات غير محببة كزيادة الضرائب.
وهناك كثير من التجارب التي أثبتت أن التدخلات السياسية في أعمال البنوك المركزية لم تؤد إلا إلى قرارات غير موفقة. الأرجنتين وتركيا، على سبيل المثال، حاولتا في ظروف معينة جعل البنك المركزي يعمل على تمويل عجز الموازنة، ولم تؤد مثل هذه السياسة إلا إلى ارتفاع التضخم واستمرار عدم الاستقرار الاقتصادي. بشكل عام تدخل السياسة في شؤون البنك المركزي يكون في الغالب لفرض أسعار فائدة منخفضة لتحفيز الاقتصاد وزيادة الإنفاق الاستهلاكي إلا أن أسعار الفائدة المنخفضة تشجع في نفس الوقت على مزيد من المديونية للحكومة وللقطاع الخاص على حد سواء. والأسوأ من ذلك أنه عندما ترتفع أسعار الفائدة لمكافحة التضخم تصبح هذه المديونيات من أهم مصادر الخطر على الوضع الاقتصادي العام. 
خلاصة القول إن استقلالية البنك المركزي هي مسألة نسبية تختلف من بلد إلى آخر، كما أن استقلالية البنك المركزي تكون حسبما يبدو مرغوبة في بعض المهام دون أخرى. وقد أثبتت بعض الظروف التي مر بها العالم أن مبدأ استقلالية البنك المركزي لا يكون بالضرورة مناسبا لكل زمان ومكان، كما أن المرونة في النظر إلى استقلالية البنك المركزي ربما تكون أفضل من التشبث بمعايير جامدة لا تمت للواقع بصلة.

 

* الرئيس السابق لصندوق النقد العربي

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية