العدد 6154
الأربعاء 20 أغسطس 2025
قمة ألاسكا.. بين طموحات بوتين وحسابات ترامب
الأربعاء 20 أغسطس 2025

‏اتجهت أنظار العالم يوم الجمعة الماضي إلى ألاسكا التي تعد أكبر ولاية أمريكية اشترتها الولايات المتحدة الأمريكية من روسيا عام 1867. لقد تابع العالم بأسره لقاء العام بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة تاريخية مهدت الطريق نحو تحقيق السلام والاستقرار بين روسيا واوكرونيا من جهة وبين موسكو والغرب من جهة اخرى.!
فاللقاء الثنائي الذي استمر ثلاث ساعات كان في غاية الأهمية حيث تطرق لمناقشة حرب اوكرانيا وإنهائها، بالاضافة للعلاقات الجيوسياسية، والشروط الأساسية التي طرحها الرئيس الروسي لتحقيق الاستقرار ووقف الحرب، ومع أن اللقاء لم يتوصل لاتفاق نهائي لبعض النقاط الرئيسية الا انه مهد الطريق لقمة قادمة بينهما بعد قبول الرئيس الاوكراني للشروط الأمريكية الروسية.
فروسيا لا يمكنها التخلي عن عمقها الاستراتيجي وأمنها القومي، مقابل الإذعان للشروط الأمريكية والغربية، والرئيس الامريكي يسعى هو لوقف الحرب لضمان جائزة نوبل للسلام التي يأمل بها بعد تدخله لوقف الحرب وحل مشكلة اذربيجان وارمينيا، واليوم يملك ترامب القدرة على تحقيق السلام لعلاقاته الجيدة مع الرئيس زيلانسكي ومع بوتين، خاصة وأن امريكا ترسم سياسة جديدة شعارها امريكا اولا.!
واعتقد أن الرئيس الأمريكي يسعى لاقتصاد قوي لبلاده من خلال السيطرة على بعض النوافذ الهامة في العالم ومنها في اوكرانيا وارمينيا وسوريا وغيرها من الدول، والواضح أن امريكا وروسيا على استعداد تام للمرحلة القادمة التي تجعل منهما دولتين وقوتين يرسمان تشكيل خرائط التحالفات الدولية في القريب العاجل.
فالرئيس بوتين وصل لألاسكا وهو زعيم قوي يمسك بأوراق قوية على الأرض وترامب يدخل كزعيم يمسك بقرارات مجلس الامن والاكثر قوة عسكرية ونفوذا على الساحة العالمية حاليا، ومع ذلك خرج بوتين من اللقاء دون تقديم تنازلات جوهرية للطرف الآخر.
فنجاح ترامب سيجعله في القمة على مستوى العالم، ولكن بوتين لم يعطه هذا الخيار، دون الحصول على مكاسب واعتراف أمريكي غربي بالسيطرة الروسية على الاراضي المتنازع عليها الان والتي أصبحت في حوزتها، كاختبار بين الطموح الروسي والحسابات الأمريكية.
لذا فإن اللقاء كان مثمرا للطرفين كما اعلن الرئيسان، بأن قمة ألاسكا قد تجلب السلام إلى أوكرانيا، رغم غياب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عنها. ومع إشادات بوتين وترامب باجتماعهما، فإن القمة التاريخية تمت حسب ما خطط لها، بالنسبة لروسيا وهو تخلي كييف عن طموحاتها بالانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتحول إلى دولة محايدة.!
فالساعات الثلاث التي تابعها العالم دقيقة بدقيقة، وصفت بأنها إيجابية من حيث الشكل، لكن غامضة من حيث المضمون، خرج بوتين بمقترح انسحاب أوكرانيا من إقليم دونيتسك مقابل تجميد خطوط القتال في خيرسون وزابوريجيا، مع تقديم تعهد مكتوب بعدم مهاجمة أوكرانيا.
هذه المبادرة الروسية أثارت جدلا واسعا في الغرب، لأنها تمنح روسيا الشرعية لتحقيق مكاسبها العسكرية، ولكن اوكرانيا رفضت كل ما ذكر في القمة، والتي من خلالها استدعى الرئيس الامريكي دونالد ترامب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لواشنطن لدراسة المقترحات الروسية والاتفاق على الضمانات الأمنية التي ستمهد لاتفاق سلام بينهما قريبا.
فطوحات بوتين من القمة التاريخية لم تتأثر كثيرا، وحسابات ترامب منها ما زالت عالقة للقمة القادمة التي اقترح الرئيس الروسي ان يكون انعقادها في الاراضي الروسية لتحقيق التوازن بين موسكو التي ما زالت قوى عظمى وقادرة أن تفرض نفسها واقتراحاتها على واشنطن وغيرها، وان الغرب عليه ان يتفهم ذلك بأن روسيا لن تسمح لأي قوى اخرى ان تكون دولة مسلحة وعلى حدودها ومنتمية لحلف الناتو.. واللبيب بالاشارة يفهم والله من وراء القصد.

 

كاتب ومحلل سياسي

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .