أسواق القيصرية تلهم المعماريين في تصميم أكبر المجمعات التجارية الحديثة في البحرين
-
مرور قرون على ظهور أسواق القيصرية
-
مبادئ “القيصرية” المعمارية والاجتماعية ما تزال تحتفظ بقيمتها
-
مجمع “الأفنيوز” تبنى فكرة “الممر الرئيسي” المظلل كما هو الحال في الأسواق التقليدية
-
“مراسي جاليريا” استفاد من مفهوم “التجارة المتخصصة” الذي يميز أسواق القيصرية القديمة
تُعدّ أسواق القيصرية من أبرز عناصر التنظيم العمراني في المدن العربية الإسلامية، حيث شكّلت نواةً اقتصادية واجتماعية تجمع بين التجارة، الحِرَف، واللقاءات اليومية. وقد ظهرت هذه الأسواق منذ قرون في قلب المدن، بممراتها الضيقة المسقوفة، ودكاكينها الصغيرة التي تتوزع باتساق متوازن على جانبي هذه الممرات؛ ما يخلق بيئة عمرانية مريحة، مظللة، ومتكيفة مع مناخ المنطقة.
وتميّزت هذه الأسواق ببساطتها المعمارية وعمقها الوظيفي؛ إذ رُوعي في تصميمها توفير الظلال والتهوية الطبيعية. ولم تكن هذه الأسواق مجرد فراغات للبيع والشراء، بل كانت نمطا اجتماعيا نشطا يعكس نبض الحياة اليومية لسكان المدينة العربية القديمة.
في دول الخليج العربي، يُعدّ سوق القيصرية في الهفوف من أبرز النماذج المتبقية، وقد تم ترميمه ليحافظ على طابعه التقليدي، بينما تتقاطع ملامحه المعمارية مع أسواق تاريخية أخرى مثل سوق واقف في الدوحة، وسوق المنامة القديم، وقيصرية المحرق في البحرين؛ ما يعكس وحدة النمط والتشكيل العمراني للمدينة الخليجية، على رغم تنوّع البيئات.
وعلى الرغم من مرور قرون على ظهور أسواق القيصرية في الخليج، فإن مبادئها المعمارية والاجتماعية لا تزال تحتفظ بقيمتها، وتلهم المعماريين في تصميم أكبر المجمعات التجارية الحديثة في مملكة البحرين، مثل “الأفنيوز” و “مراسي جاليريا”، على سبيل المثال لا الحصر. إن إحياء فكرة الأسواق القيصرية اليوم لا يجب أن يكون فقط عبر الترميم وإعادة تطوير الواجهات، بل من خلال إعادة توظيف مبادئ تشكيل الفراغات القديمة كمساحات اقتصادية وثقافية معاصرة تحترم الجذور وتستجيب لمتطلبات الحاضر؛ ما يعزز استدامة الهوية العمرانية ويعيد الحياة إلى قلب المدن التاريخية.
مجمع “الأفنيوز البحرين”، الذي تم افتتاحه في الربع الأخير من العام 2017، على رغم تصميمه العصري المطل على الواجهة البحرية، فقد تبنّى فكرة “الممر الرئيسي” المظلّل الذي تصطف على جانبيه المحال التجارية والمطاعم، كما هو الحال في الأسواق التقليدية، إلا أن عرضه بأسلوب معاصر يتميز بالإضاءة الطبيعية والمساحات الواسعة يتماشى مع متطلبات العصر الحالي.
أما “مراسي جاليريا”، الذي افتُتح في فبراير 2024، فقد استفاد بشكل ملحوظ من مفهوم “التجارة المتخصصة” الذي كان يميز أسواق القيصرية القديمة، حيث تُجمع المتاجر ذات الطابع التجاري المتشابه في مناطق محددة، مثل مناطق المطاعم أو الأزياء والعطور؛ لتسهيل حركة المتسوقين. وهو المبدأ نفسه الذي كانت تطبّقه الأسواق القديمة بتقسيماتها مثل “سوق الذهب”، “سوق الأقمشة”، و “سوق البهارات” وغيرها.
إن دمج مفاهيم القيصرية في تصميم المجمعات الحديثة لا يعني نسخ العمارة القديمة، بل هو إعادة ترجمتها وظيفيا وخلق تجربة تسوق إنسانية مرتبطة بالبيئة وجذورها في الهوية المحلية. وبهذا تصبح مجمعاتنا التجارية ليست فقط أماكن للتسوق، بل ساحات معاصرة للتلاقي الاجتماعي وصنع الذكريات.
