العدد 6079
الجمعة 06 يونيو 2025
ملخص قصة “رجل في عالم الرؤيا”
الجمعة 06 يونيو 2025

أصدرت في العام 2007م قصة قصيرة عنوانها “رجل في عالم الرؤيا”، وهي القصة الوحيدة التي كتبتها في مسار مجالي في الكتابة والتأليف، وقد نفدت جميع النسخ التي طبعت.
يعود سبب كتابتي هذه القصة القصيرة إلى دراستي الجامعية في البدايات الأولى للتاريخ القديم والحديث والمعاصر، وما شهدته مناطق العالم بصورة عامة والمنطقة العربية بصورة خاصة من حروب وانتشار ظاهرة الإرهابيين والتكفيريين.
تتمثل القصة في شاب يدعى (مسيلمة) ولد في قرية ويسكن في كوخ متواضع وسط الحقل الذي ورثه عن والده، ولديه حمار أطلق عليه اسم (عنبر) لنقل محصول الحقل إلى المدينة.
وفي إحدى ليالي الشتاء القارسة البرودة وهطول الأمطار الغزيرة، خلد (مسيلمة) إلى النوم وهو في غاية التعب، فرأى في عالم الرؤيا أنه تحول إلى حماره (عنبر) وتحول الحمار إلى شخص صاحبه (مسيلمة)، وأخذ كل واحد يمارس دور الآخر أثناء حلمه.
في الصباح الباكر جلس الحمار (عنبر) وهو يفكر كيف تحول إلى إنسان. وكان يشاهد صاحبه في الكثير من الأوقات يقضي وقت فراغه بمشاهدة التليفزيون. فأخذ (عنبر) يشاهد محطات التلفاز، وأصيب بالدهشة عند مشاهدته الأخبار حيث الدماء التي تسيل من بني البشر أثناء عراكهم وحروبهم واعتداء بعضهم على بعض.
لم يصدق أن الإنسان يقتل أخاه الإنسان، وقال في نفسه الحيوانات تتقاتل مع حيوانات أخرى وليس من نفس الجنس، أي أن الأسود تقاتل بقية الحيوانات لتأكلها، ولكن لا يقتل أسد أسدًا آخر، وكذلك تفعل بقية الحيوانات، فلماذا يقتل الإنسان أخاه الإنسان؟
سمع وهو يشاهد التليفزيون بالأمم المتحدة ومجلس الأمن، وقال وهو في حالة تعجب: في ظل وجود منظمة دولية تشترك فيها جميع الدول وهي منظمة الأمم المتحدة، ووجود مجلس الأمن، يتحارب أبناء البشر وتزهق الأرواح.. فكيف يكون الوضع لو لم تكن هذه المنظمات موجودة؟
يقول (عنبر): انظر إلى عالم الحمير لا توجد لدينا منظمة أممية، ولا مجلس أمن، لكننا نعيش في وئام، لا يظلم بعضنا بعضًا، ولا نعتدي على حقوق غيرنا، ولكن نهاجم من يهاجمنا.
شاهد (عنبر) في ذات يوم مكتبة متواضعة في الكوخ، فأخذ يقرأ كتبًا تتحدث عن الديانات السماوية، وعرف أن هناك ثلاث ديانات رئيسية هي بالترتيب اليهودية، والمسيحية، والإسلام. وتوصل إلى أن جميع هذه الديانات السماوية تدعو إلى توحيد خالق هذا الكون العظيم. كما وجد أن لكل ديانة كتابًا مقدسًا، ويقصد بذلك التوراة والإنجيل والقرآن الكريم.
توقف (عنبر) عن حرث الأرض والمسحاة بيده وأخذ يحدث نفسه: ما دامت هذه الديانات السماوية جاءت عبر رسل كرام من الخالق العظيم، فهي بالتأكيد ديانات مقدسة.. نعم إنها مقدسة وتدعو إلى الإصلاح وخير الإنسان وعزته وكرامته، والرفق بالحيوان. وأخذ يتساءل: لماذا لا يحترم البعض من بني البشر هذه الديانات العظيمة؟ ولماذا أشاهد موجات التعصب الأعمى بين فئات من هذه الديانات التي يكفر بعضها بعضًا.
عاد (عنبر) إلى الكوخ واتجه إلى قراءة كتب التاريخ، فوجد حروبًا طاحنة وقعت بين أصحاب الديانات اليهودية والمسيحية. كما وقعت حروب بين المسيحيين والمسلمين عرفت بالحروب الصليبية.
آلمه كثيرًا الصراع بين أبناء الديانة الواحدة، كالصراع بين الكاثوليك والبروتستانت في الديانة المسيحية، الذي راحت ضحيته آلاف مؤلفة، والخلافات بين المذاهب الإسلامية التي يعتقد أتباعها جميعا بالخالق العظيم، وبنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. كما يعتقدون جميعهم بالقرآن الكريم، وحرمة البيت الحرام قبلة المسلمين جميعًا، وبأداء الصلوات الخمس، وصوم رمضان والحج إلى بيت الله الحرام.
توصل أثناء تفكيره في الديانات والمذاهب إلى أن الطفل الذي يولد وسط أسرة مسلمة يصبح مسلمًا، وكذلك نفسه بالنسبة لأطفال الديانات الأخرى، وهذا الأمر ينطبق أيضًا على اعتناق المذاهب في الديانات الثلاث.
قال (عنبر): سمعت عبارة يتناولها الناس، تقول العبارة “الدين لله والوطن للجميع”، فلماذا لا يطبق الناس على اختلاف أديانهم ومذاهبهم هذه العبارة العظيمة؟
توقف (عنبر) قليلًا عن العمل وجلس على العشب الأخضر وهو في حالة تأمل وذهول، ولسان حاله يقول: ليتني بقيت حمارًا ذلك خير لي من أن أكون إنسانًا أحمل عقلًا.. فإن أكره ما عندي هو سفك الدماء وقتل الروح التي حرمها الله بغير ذنب.
تعب (عنبر) من التفكير وقال: عليَّ أن أذهب إلى حماري (مسيلمة) وأتحدث معه قبل أن أستمر في التفكير في أعمال وتصرفات بني البشر. وعندما وصل (عنبر) إلى الحمار (مسيلمة) هز رأسه فرحًا به، فقال له (عنبر): هل تريد أن تصبح إنسانًا كما كنت؟ وبمجرد طرح هذا السؤال فزع الحمار (مسيلمة) لأنه وجد في كونه حمارًا سعادة تامة؛ فهو يأكل طعامًا طازجًا غير مطبوخ، خاليًا من الدهون والبهارات والأملاح والسكر، كما أنه يعيش في الهواء الطلق بحرية غير مقيدة ولا معقدة. فهو يستطيع أن ينهق متى يشاء وينام حين يشاء.. ولا يشاهد الأخبار التي تجلب الهم والغم وترفع الضغط، فهو سعيد لأنه لا يرى حمارًا يفجر نفسه في مجموعة حمير كما يفعل أبناء البشر. 
توقف (عنبر) عن التفكير والتجأ إلى المكتبة الصغيرة بالكوخ، وتذكر أنه اقتنى مجموعة دواوين شعر، فمد يده إلى ديوان يجمع قصائد الشاعر الكبير نزار قباني، وقال إن هذه القصائد ستريح أعصابي، وإذا به يقرأ قصيدة يصف فيها نزار قباني حال الأمة العربية إذ يقول:

قبلاتهم عربية من ذا رأى    فيما رأى قبلًا لها أنياب
يتقاتلون على بقايا تمرة    وخناجر مرفوعة وحراب

قال (عنبر) يخاطب نفسه: أردت أن أبتعد قليلًا عن مشاكل العرب وقضاياهم وإذا بي أقع فيها، فأرجع ذلك الديوان إلى الرف الخاص به، وفتح كتابًا آخر، وإذا به يقرأ التالي: “قال رجل لخالد بن صفوان: مالي إذا رأيتكم تتذاكرون الأخبار وتتدارسون الآثار، وتتناشدون الأشعار، وقع علي النوم؟ قال: لأنك حمار في مسلاخ - أي جلد - إنسان.”.
غضب (عنبر) وقال: الحمار يقدم خدمات جليلة لبني البشر دون تبرم، والحمار يعرف الطرق التي اعتاد عليها دون دليل، والحمار استخدم واستغل من قبل الإنسان على الرغم من الخدمات التي يقدمها، ووصل إلى حد ضربه وهو يعرف أن ذلك يؤذيه. وكذلك وصل بالأدباء الاستهزاء بالحمير ومن بينهم ابن أبي علقمة الذي مر بمجلس “بني ناحية”، فكب حماره لوجهه - أي سقط على وجهه - فضحكوا منه، فقال: ما يضحككم؟ رأى وجوهكم فسجد، وهذا استهزاء ما بعده استهزاء بالحمير.
قال (عنبر): على الرغم من كل ما تقدم عليَّ أن أعترف أن قلة قليلة من العرب أخذ يتفهم عالم الحيوان بصورة منصفة جعلتني أشعر بالسعادة. فمثلًا عندما يريدون التباهي برجل له عقل كبير وذكاء حاد يقولون عنه أنه صاحب عقل “خرافي”. وعندما يشارك رجل في انقلاب يصفونه تكريمًا له وتخليدًا لإنجازاته الكبيرة بأنه “ثوري”.
بذل (عنبر) جهدًا كبيرًا في جني ثمار الحقل، وفي الصباح وضع الحمل على ظهر حماره (مسيلمة) واتجه إلى المدينة. وفي أثناء بيعه الثمار جاءه رجل مسن وسأله عن (مسيلمة) أين هو الآن؟ وهل هو بخير؟ فأجابه (عنبر): إن مسيلمة بألف خير وقد تطور تطورًا باهرًا. فقال الشيخ المسن: هل تقصد أنه أصبح من كبار التجار؟ فرد عليه (عنبر) لقد أصبح أكثر من ذلك.. لقد تحول إلى حمار، فتمتم الشيخ بكلمات لم يسمعها (عنبر) وانصرف إلى حال سبيله.
في هذه الأثناء استيقظ (مسيلمة) من نومه وهو لا يصدق ما حدث له في عالم الرؤية، وفتح باب كوخه ليطمئن على حماره (عنبر) وعلى ماشيته وزرعه، وقد توقف المطر وسكنت الريح. وقال فزعًا أريد أن أكون حمارًا خير لي من أن أكون إنسانًا؛ لأبتعد عن كل المآسي التي تتعرض لها الأمة العربية من خلال ما نقرأ في الصحف ونشاهد عبر التلفاز.
قال وهو ينظر إلى حماره (عنبر) الذي تبدو عليه آثار الفرحة والسرور: لا.. لا أريد هذا الوضع.. أريد أن أكون مثلك.. أريد أن أكون حمارًا.. فقد عشت في عالم الرؤيا أسعد أوقات حياتي.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية