+A
A-

حسين بطل يوميات “السوشيال ميديا”.. كيف حول توحده إلى مصدر إلهام؟

  • التقبل هو المفتاح الأساس للتعامل مع الأطفال المصابين بالتوحد

  • الدعم العائلي والمجتمعي يمنحهم حياة سعيدة ومليئة بالإنجازات

 

والدة حسينبمناسبة اليوم العالمي للتوحد، الذي يصادف الثاني من أبريل من كل عام، أجرت صحيفة “البلاد” حوارًا مع أم حسين لتسلط الضوء على رحلتها الطويلة مع ابنها المصاب بالتوحد، متحدثة عن التحديات التي واجهتها منذ ولادته وحتى اليوم، وكيف تعلمت التعامل معه بالصبر والتقبل، مما جعل حياته وحياة أسرته أكثر سهولة.
بدأت رحلة أم حسين مع التوحد منذ لحظة حملها، حيث لم يكن في الحسبان أنها سترزق بتوأمين حتى أكدت الفحوصات ذلك. كان أحد الطفلين أصغر حجمًا من الآخر، مما استدعى متابعة طبية دقيقة. في الشهر السابع، أبلغها الأطباء بضرورة الولادة المبكرة بسبب خطورة وضع الطفل الأصغر، حيث كان هناك احتمال أن يتسبب فقدانه في وفاة شقيقه أيضًا. تمت الولادة القيصرية، وبقي حسين في الحاضنة لمدة ثلاثة أشهر تعرض خلالها لعدة انتكاسات صحية، لكن إرادة الله شاءت أن يعيش.
والد حسينبعد خروجه من الحاضنة، لاحظت والدته أن نموه كان بطيئًا مقارنة بشقيقه التوأم، رغم أن التوقعات كانت تشير إلى أنه سينمو بشكل طبيعي بعد استقرار حالته الصحية. بدأت أم حسين رحلتها في البحث عن إجابة لحالة ابنها، فاستشارت اختصاصي التغذية والنمو حتى تم تشخيصه بالتوحد.
لم تكن أم حسين على دراية بكيفية التعامل مع طفل مصاب بالتوحد، مما دفعها إلى الاستفسار من الأطباء والأهالي الذين لديهم أطفال مصابون بهذه الحالة. بعد عدة استشارات، اقترحوا عليها إلحاقه بمركز للتدخل المبكر. قبل دخوله المركز، حاولت دمجه في روضات عادية، لكنه كان يواجه صعوبات عديدة، حيث كان يتعرض للأذى من الأطفال الآخرين ولم يكن قادرًا على التفاعل معهم. في النهاية، وجدت أن المركز هو الخيار الأمثل له، فبقي فيه لمدة عشر سنوات.
عند بداية انضمام حسين للمركز، كانت أم حسين تعاني من اليأس بسبب عدم قدرته على التفاعل أو حتى فهم الأوامر البسيطة، ولكن من خلال الدورات التدريبية التي خضع لها في المركز، بدأت تدرك أن حسين يتمتع بقدرات طبيعية مقارنة بأطفال آخرين لديهم نفس الحالة، مما منحها الأمل وعزز من قدرتها على التعامل معه بثقة أكبر.
لم تفكر أم حسين يومًا في إخفاء ابنها عن المجتمع أو إبقائه في المنزل خوفًا من نظرات الآخرين، بل قررت أن يعيش حياته بشكل طبيعي قدر الإمكان. رغم أن التعامل مع طفل مصاب بالتوحد يتطلب جهداً مضاعفاً، فقد كانت تصطحبه معها في كل مكان، سواء في الزيارات العائلية أو السفر، وذلك بهدف تعويده على التفاعل مع الناس وتقليل شعوره بالغربة في الأماكن العامة.


تذكر أم حسين أن اللغة كانت من أكبر التحديات التي واجهت حسين، حيث كانوا في المنزل يتحدثون معه باللغة العربية، ولكن في المركز قرر الأخصائيون تعليمه اللغة الإنجليزية، لأنهم وجدوا أن الحروف العربية وصيغ الكلمات المتعددة كانت تشكل له صعوبة في الفهم. اعتمد المركز أسلوبًا يربط بين الصور والكلمات، وبعد سنوات من التدريب، تمكن حسين أخيرًا من النطق عندما بلغ الحادية عشرة من عمره.
من أكبر التحديات التي واجهتها أم حسين مع ابنها تعليمه استخدام الحمام، حيث استغرق الأمر نحو سنتين حتى تمكن من الاعتماد على نفسه. تصف هذه التجربة بأنها كانت الأصعب على الإطلاق، لكنها تؤكد أن الصبر والتكرار كانا مفتاح النجاح في تعليمه هذه المهارة.
لم تكن هذه التحديات تخلو من المواقف الطريفة، حيث تروي أم حسين حادثة طريفة وقعت عندما هرب حسين إلى أحد المحلات المجاورة واختفى للحظات، ليعود لاحقًا وهو يحمل كرتونة بيض كاملة دون أن يدفع ثمنها، ما اضطرهم إلى إعادتها إلى المتجر ودفع قيمتها. كما تذكر حادثة أخرى عندما كان يسافر معهم، حيث قررت هي أن تتخلص من جميع ألعابه عن طريق رميها، ليتفاجأ حسين عند عودته إلى البيت أن جميع أغراضه غير موجودة، مما اثأر استياءه إلا أنها استسلمت وأعادت له بعض من أغراضه ليلعب بها. 


خلال فترة الحجر الصحي بسبب جائحة كورونا، بدأت أم حسين تلاحظ أن ابنها أصبح يشعر بالملل نتيجة عدم ذهابه إلى المركز، مما جعله يلجأ إلى تصرفات غير متوقعة مثل اللعب بالماء والصابون وتخريب بعض الأغراض في المنزل. في البداية، كانت توثق هذه اللحظات وتشاركها مع عائلتها وأصدقائها على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها لاحظت أن ردود الفعل كانت إيجابية جدًّا، حيث استمتع الناس بمشاهدة حسين وتصرفاته العفوية.
تدريجيًّا، بدأت أم حسين بمشاركة المزيد من الفيديوهات عبر منصة تيك توك، وكان أول فيديو نشرته عن حادثة البيض، ليفاجئها بأنه أصبح ترند خلال ثلاثة أيام. تزايدت طلبات المتابعين لرؤية المزيد من يوميات حسين، مما دفعها إلى توثيق أبرز لحظاته العفوية ونشرها بانتظام. مع مرور الوقت، أنشأت حسابًا عامًا على سناب شات خصصته لمشاركة يوميات حسين، حيث أصبح لديه جمهور كبير يتابعه ويتفاعل معه، إلا أن العديد من الناس قدموا بلاغات على حساب السناب شات الأمر الذي أدى إلى إغلاق الحساب والبقاء على حسابات الانستغرام والتيك توك. 
وعن التنمر، قالت أم حسين إن هناك العديد من التعليقات السلبية التي يقرؤونها، ولكنها لا تؤثر بهم، وهم مستمرون على ما يفعلونه وإشراك حسين بالمجتمع. 
من خلال تجربتها الطويلة، تؤكد أم حسين أن التقبل هو المفتاح الأساس للتعامل مع الأطفال المصابين بالتوحد. وترى أن الأهل الذين يحبسون أنفسهم وأطفالهم بسبب الخجل أو الخوف من المجتمع هم من يدمرون أنفسهم، وليس الأطفال. وتشدد على أهمية تقبل الأهل لوضع أبنائهم والتعامل معهم بمحبة، لأن ذلك سينعكس إيجابًا على الطفل وسيساعده على التطور والاندماج.
وتضيف أن المجتمع أصبح أكثر وعيًا بحالة التوحد مقارنة بالماضي، حيث لم يكن الناس يدركون كيفية التعامل مع الأطفال المصابين به. ولكن رغم هذا التقدم، لا يزال هناك حاجة إلى المزيد من التثقيف حول كيفية فهم هذه الحالات والتعامل معها بشكل صحيح.
على الرغم من التحسن الكبير في وضع حسين، لا تزال هناك تحديات يواجهها يوميًا. لكنه أصبح اليوم قادرًا على التفاعل بشكل أكبر مع البيئة المحيطة به، كما أنه تعلم العديد من المهارات التي لم تكن متوقعة في السابق.


تؤكد أم حسين أنها فخورة بالرحلة التي قطعتها مع ابنها، رغم كل الصعوبات التي واجهتها. وتقول: “الرضا والتقبل هما الأساس، فحين يتقبل الأهل ظروف أبنائهم، يتمكنون من العيش بشكل طبيعي والتعامل مع التحديات بروح إيجابية”.
تظل قصة حسين مثالًا حقيقيًّا على أن التوحد ليس نهاية الطريق، بل هو بداية رحلة تتطلب الصبر، الفهم، والتقبل. من خلال الدعم العائلي والمجتمعي، يمكن للأطفال المصابين بالتوحد أن يعيشوا حياة سعيدة ومليئة بالإنجازات.