العدد 5989
السبت 08 مارس 2025
نحو استراتيجية نضالية فلسطينية جديدة
السبت 08 مارس 2025

 في أول يناير الماضي مرّت الذكرى الستون لانطلاقة حركة “فتح” كبرى الفصائل الفلسطينية المسلحة وتبنيها الكفاح المسلح لتحرير فلسطين، وعلى الرغم من مضي ستة عقود على تبني هذه الاستراتيجية النضالية التي مرت بمحطات بالغة التعقيد والآلام ليس لشعبها فقط بل ولشعوب الدول العربية المجاورة التي احتضنتها (لبنان خصوصًا)، فإنه لم تجرِ حتى يومنا مراجعة تعترف بعدمية الكفاح المسلح وما ينجم عنه من تبعات تدميرية في منتهى الوحشية تلحق أشد الضرر بمصالح الشعب الفلسطيني، هذا بالرغم من كل الهزائم المتتالية التي مُنيت بها فصائل المقاومة، وعندما جرى الإقلاع عن هذه الاستراتيجية بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت 1982وتبني خيار النضال السلمي بالموافقة على اتفاقيات أوسلو 1992، ثبت فشل هذه الاتفاقيات، خصوصًا بالنظر إلى التنازلات الهائلة التي قدمتها قيادة فتح لإنجازها، ثم سرعان ما تبنّت حركة حماس خط الكفاح المسلح على طريقتها الخاصة، من خلال عمليات تفخيخ الباصات والأسواق، والتي بعدما ثبت خطورتها وعدم جدواها اتجهت الحركة إلى تبني إطلاق الصواريخ من داخل قطاع غزة أو أسر جنود إسرائيليين لاستبدالهم بسجناء فلسطينيين، وصولًا إلى عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 التي انتهت إلى محو الاحتلال الإسرائيلي قطاع غزة بأكمله تقريبًا، مقابل الإفراج عن بضعة آلاف من الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. ونترك لأي محلل يتمتع بذرة من العقل أن يقارن هذا “الإنجاز النضالي” البائس الذي تسميه حماس “نصرًا تاريخيًّا” بما تكبّده الفلسطينيون من خسائر فادحة للغاية من دمائهم وعمرانهم!. 

لا بل لو أنك سألت أحدًا من الأسرى المحررين عما يستحق هذا الإنجاز كل تلك التضحيات لخجل من نفسه وتمنى أن يبقى في السجون لا أن يتكبّد شعبه في القطاع كل تلك الكوارث المهولة من أجل الإفراج عنه ورفاقه. بل لو جرى رهن سحق القطاع بعملية السابع من أكتوبر مقابل تحرير فلسطين فورًا، لكان أمرًا بحاجة مسبقًا لتدارس وتفكر مليون مرة قبل الإقدام على مثل تلك المغامرة الحمقاء.
 والآن إذ بات واضحًا بعد تلك النتائج الكارثية لعملية الطوفان أن لا أفق لمعاودة النضال المسلح، فهل ستتدارس الفصائل والقوى الوطنية الفلسطينية لصوغ استراتيجية نضالية مستقبلية للنضال الفلسطيني؟ غني عن القول أن أية استراتيجية نضالية جديدة إنما هي بحاجة لإعادة بناء البيت الفلسطيني الداخلي، والبيت الفلسطيني إنما يتمثل في منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني كما يُفترض، وترتيب هذا البيت لن يتم بدون إنهاء الانقسام الفلسطيني الحالي المدمر بين السلطة الفلسطينية وحركة “فتح” من جهة وحركة حماس من جهة أخرى. وللأسف الشديد فإنه في ضوء كل محاولات إنهاء الانقسام وتوقيع الجانبين بيانات التعهد بإنهائه، فإنها تبقى حبرًا على ورق، لغياب الإرادة والنوايا الحسنة، وطغيان نزعات التفرد في الزعامة. وقد رأينا في أكثر من محطة أن هذا الانقسام وصل إلى التقاتل بالسلاح، وكانت آخر محطة ما جرى في مخيم جنين بالضفة في عز حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة. فكيف يمكن لوم تقصير الدول العربية أو المجتمع الدولي إذا كان أهل القضية هم هكذا يفعلون من جرم بحق قضية شعبهم، وبحق مستقبل تحرير وطنهم؟ من نافلة القول إن استمرار هذا الانقسام سيعقد القضية الفلسطينية أضعافًا مضاعفة في ظل النكبة الكارثية الراهنة، بل ولن يمكّن الشعب الفلسطيني من الاستفادة مما خرجت به القمة العربية الأخيرة من قرارات إيجابية لصالحه إلا بوجود قيادة فلسطينية موحدة تمثلهم، وبدون ذلك لن تتمكن الدول العربية (المعنية بوجه خاص) من تنفيذ قرارات القمة المتعلقة برفض تهجير سكان القطاع وإعادة إعماره إلى واقع ملموس.

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .