هل مبرر اعتقاد الرئيس الأمريكي ترامب بأن الولايات المتحدة واقعة تحت غبنٍ تجاري، وبأن الدول "تستغل" الولايات المتحدة؟ لا سبيل لإجابة السؤال لتعدد جوانبه، ولذا نأخذ جانباً محدداً هو الشق التجاري، طلباً للتحديد.
الإجابة القصيرة هي لا، والسبب أن الولايات المتحدة ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وهي تمسك "بتلابيب" التجارة العالمية، وتحقق مكاسباً عند كل منعطف. ولعل النقطة الأبرز التي تجعل اعتقاد الرئيس ترامب غير منصف، هو تركيزه على الميزان التجاري السلعي، والسلعي فقط، في حين أن الميزان التجاري يتكون من سلع وخدمات. ما أهمية هذا التفصيل، هو أن الرسوم التجارية تفرض على السلع ولا تفرض رسوم جمركية على الخدمات، وأن حصة تجارة الخدمات تتصاعد، ومعها نصيب الولايات المتحدة.
والأهم أن التجارة الدولية على مدى الثمانين العام الماضية، عقب انقضاء الحرب العالمية الثانية، تحولت تحولاً مهولاً لصالح تجارة الخدمات، وكان كذلك تحولاً لصالح الولايات المتحدة الأمريكية. ففي فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت "السلع" تسيطر على التجارة الدولية، وتمثل الخدمات آنئذ ما يقارب 15 بالمائة من قيمة الصادرات الدولية في العام 1950، ونحو 12 بالمائة من الصادرات الأمريكية، بالأسعار الثابتة. فضلاً، عن أنه في ذلك الوقت كان الاقتصاد الأمريكي مصنع العالم، واستفادت الصادرات الأمريكية من خطة مارشال لإعادة بناء أوربا، مما عزز وضع صادراتها، وجعل حصة الصادرات الأمريكية تزيد على 15 بالمائة من الصادرات السلعية عالمياً.
وبالمقارنة، فخلال ثمانين عاماً تطورت هيكلية التجارة الدولية؛ (1) فقد برزت قوى اقتصادية قادرة على التصدير والمنافسة وفي مقدمتها الصين والاتحاد الأوربي، فأصبح القلق المؤرق للولايات المتحدة يكمن في الحفاظ على تفوقها في الإنتاجية ولا أقول تفردها كما كان الوضع عليه عقب الحرب العالمية الثانية، حيث تمثل الصادرات الأمريكية نحو 10 في المائة من الصادرات السلعية الدولية (2) نما نصيب الخدمات من التجارة العالمية؛ ونمت صادرات الولايات المتحدة الأمريكية من الخدمات، إذ تقدر حصتها حالياً بحوالي 32 بالمائة من تجارة الخدمات عالمياً، أي أن الأهمية النسبية للولايات المتحدة في تجارة الخدمات تضاعفت أكثر من الضعفين (من 12 بالمائة إلى 32 بالمائة خلال الفترة 1950 حتى العام 2024)، وهذه ليس عليها ضرائب جمركية، وقد تخضعها الدول لأنواع متفاوتة من الضرائب لاسيما ضرائب الاستقطاع.
وهكذا، يمكن القول أن تركيز الرئيس ترامب على الميزان التجاري في السلع واتخاذه إجراءات منفردة لزيادة الرسوم الجمركية له تبعات مزعزعة على هيكلية التجارة العالمية، ولعل قصد ترامب إحداث زعزعة لإعادة توزيع حصص التجارة السلعية بما يعزز الصادرات الأمريكية ويحد من الواردات الأمريكية وبذلك يرتفع صافي الصادرات ويعزز نمو الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة..
لكن هناك مؤشرات أن الأمر قد لا يقف عند ذلك الحد، رغم أنه مطلب طموح. إذ لا يمكن الاستخفاف ب"الحمائية الترامبية"، وهي عصا الرسوم الجمركية التي يرفعها الرئيس ترامب لتحقيق مقاصد تتجاوز التجارة، إذ سيكون لها تبعات جسيمة، فمؤداها إعادة تشكيل التجارة الدولية ومعها إعادة نقل وهيكلة سلاسل الامداد وبالتالي تدفق الاستثمارات الأجنبية، وهذا يعادل حرب عالمية تجارية غير مسبوقة منذ الحقبة المركنتالية (Mercantilism) التي اتبعتها القوى الاستعمارية في القرن السادس عشر وما بعده، ومبدأها "التجارة ولاشيء يهم سوى التجارة".
والمركنتالية هذه يبدو أنها هي مدرسة ترامب الاقتصادية، فتطابق قراراته التنفيذية مع مبادئها تطابق يكاد أن يكون تاماً مع بعض التطويرات هنا وهناك بما يُمكن من تسميتها "المركنتالية الترامبية" (Trumpian Mercantilism). والمركنتالية ليست مدرسة عبثية، بل لها إطار نظري يقوم على تعظيم الصادرات والحدد من الواردات بهدف مراكمة الثروة بالحفاظ على ميزان تجاري إيجابي، وهذه هي السياسة التي اتبعتها القوى الاستعمارية الأوربية مثل أسبانيا وبريطانيا وفرنسا بالاستيلاء على ثروات الدول المٌستَعمَرة والتحكم بممرات التجارة وتأييد الاحتكار بما يعني أن الثروة تعود للدولة المُستعمِرة. وبالتأكيد، فإن النظرية الاقتصادية ومنذ أيام آدم سميث تجاوزت المركنتاليه، حيث انتقدها سمث في كتابة ثروة الدول (العام 1776)، لكن المركنتالية لم تمت قط بل تقلب أوجهها، لا سيما تعلق المركنتالية الكلاسيكية بالنقدين (الذهب والفضة) ومحورية مراكمتهما. وما يبين أنها لم تمت بل أنها تعود بقوة للحياة وللتأثير من جديد هو تكرار الرئيس ترامب على أهمية:
(1) الحفاظ على ميزان تجاري إيجابي،
(2) الحفاظ على سطوة الشركات الأمريكية العابرة للحدود وضرورة الحفاظ على حرية حركتها عالمياً، فأحد أهم مآخذه على الاتحاد الأوربي هو الضرائب التي يفرضها على الشركات الأمريكية مثل أبل وجوجل،
(3) أن الاهتمام بالجوانب الجيوسياسية ليس اهتماماً أصيلاً بل تابعاً للاهتمام بالتجارة، باعتبار أن تيسير تدفق التجارة يستوجب مسارات سالكة تمكن الصادرات الأمريكية من أن تجوب العالم من أقصاه إلى أقصاه دون عوائق مادية أو إجرائية، ولذا أهتمام ترامب الفائق بقناة بنما، وبتوظيف عصا الرسوم الجمركية لتطويع الظروف الجيوسياسية غير المواتية، كما هو الأمر مع الصين وكندا والمكسيك والاتحاد الأوربي، حيث أنه يسوق مبررات لرفع الرسوم الجمركية، قد تكون المهاجرين أو المخدرات. كل ما يهم في نهاية المطاف هو إبقاء خطوط التجارة مفتوحة أمام الصادرات الأمريكية لتفادي الرسوم الجمركية العالية، في حين أن أمريكا تسعى لإغلاق أسواقها، فالرئيس ترامب سيرفع في نهاية المطاف الرسوم الجمركية عما هي عليه حالياً، فمثلاً مع الاتحاد الأوربي قد لا يرفع الرسوم بأكثر من ثمانية أضعاف (وما ما يوازي 25 بالمائة)، لكنه سيرفعها بما يحد من الواردات مما هي عليه حالياً.
مما تقدم يمكن الخلوص إلى نقاط، منها:
1.أن انكفاء الولايات المتحدة باستخدام سلاح الرسوم الجمركية لجَرّ الاستثمارات، سيؤدي بالمقابل إلى حرب تجارية وإعادة تشكيل التكتلات التجارية لتكون الولايات المتحدة خارجها. سيؤدي فرض رسوم جمركية هائلة إلى إعادة تشكيل العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوربي، فبريطانيا حالياً ليست في مأمن، وهي وحدها في "العراء". والأهم من ذلك ما سيحدثه شرخ الرسوم الجمركية من تقارب بين الاتحاد الأوربي والصين، ليستقوي كل منهما بالأخر ما استطاع لذلك سبيلاً.
2. قد يضطر الرئيس ترامب إلى إيجاد تحالفاً تجارياً متعدد المرتكزات لشركائه وحلفائه في العالم، لتصبح محاوراً (دولاً وتكتلات) هي الأكثر رعاية MFN بما يعني توقيع اتفاقات تجارية واستثمارية تفضيلية، لكن سيبقى اهتمامه الأول والأخير ميزان المدفوعات. لكن لا ينبغي أن يعني ذلك بناء تكتل تقوده الولايات المتحدة، فالرغبة الشديدة لإيثار الذات ستجعل ذلك أمراً متعذر التحقق على أرض الواقع مع ترامب، ولعل خير شاهد على ذلك أن القوى الاستعمارية المركينتالية لم تتحد بل كانت تتنافس وتتناحر وتدخل حروباً في سبيل التجارة ولا شيء سوى التجارة.