د. محمد صالح طالب بحريني عاش فترة الغزو والتحرير: العراقيون حفروا أنفاقا بالقرب من سكن طلبة الجامعة
-
عشنا فترة من الزمن لا نرى الشمس بسبب دخان حريق آبار النفط
-
اليوم الأول للغزو عصيب وعشنا فيه حالة من الخوف الشديد
-
شظايا رصاص الغزو أصابت نوافذ مبنى سكن الطلبة
-
انقطعت الاتصالات الخارجية ولم أكن أستطيع الاتصال بالبحرين
-
كنا مجموعة صغيرة من طلبة البحرين لدراسة الفصل الصيفي
في العام 1990، وفي خضم العدوان العراقي على دولة الكويت الشقيقة، عاش الطالب البحريني د. محمد صالح، الذي كان قد حصل على منحة للدراسة في جامعة الكويت، تجربة استثنائية جمعت بين الخوف والأمل، لتصبح شهادةً حية على صمود جيل في مواجهة الظروف القاسية.
وفي وثائقي “البلاد” الذي يستعرض شهادات بحرينية في زمن تحرير الكويت، يقدم د. محمد صالح الذي عاش أيام الغزو في الكويت، كونه طالبا بحرينيا هناك، سردا شخصيا ينبض بالأحاسيس والواقعية. وفي حديثه يروي د. صالح تفاصيل فترة عصيبة عاشها فترة الغزو وبعد التحرير، مسلطا الضوء على جهود السفارة البحرينية في تأمين الإجلاء ورحلة العودة إلى الوطن.
وفيما يلي مقابلة صحيفة “البلاد” مع الطالب البحريني د. محمد صالح، التي يروي فيها بعض مشاهداته أثناء الغزو وتجربته بعد تحرير دولة الكويت في فبراير 1991:

أصوات انفجارات
كيف بدأت تجربتك في الكويت عند اندلاع الغزو العراقي؟
كنت حينها طالبًا أدرس في جامعة الكويت وأسكن في سكن الطلاب بالشويخ. صادف الغزو فصل الصيف، إذ كان معظم الطلبة في إجازة، لكننا كنا مجموعة صغيرة من طلبة البحرين الذين سجلوا لدراسة الفصل الصيفي. تفاجأنا كغيرنا بالغزو الذي لم نكن تتوقعه. كان اليوم الأول عصيبا، عشنا فيه حالة من الخوف الشديد. استيقظت من النوم عند الساعة الخامسة فجرا على أصوات انفجارات لا أعرف مصدرها. قلت في نفسي لأول وهلة، ربما تكون ألعابا نارية، وقررت أن أصلي الفجر وأستكمل نومي بعد ذلك، لكن أصوات الانفجارات زادت وقت الصلاة، وهنا شعرت بقلق شديد مما يحدث. كان المبنى الذي نسكنه يهتز بشدة نتيجة للقصف الذي كان يجري على بعد عشرات الأمتار من سكن الطلاب. خرجت من حجرتي في سكن الطلاب لأرى ماذا يحدث، فكانت المفاجأة أن أخبرني الزملاء الذين كانوا قد تجمعوا في الطابق العاشر من المبنى أن الكويت تتعرض لغزو من العراق. كان اليوم الأول مرعبا؛ بسبب أصوات الانفجارات، وشظايا الرصاص التي أصابت بعض نوافذ المبنى. وفي اليومين التاليين، شهدنا مشاهد غير متوقعة من التسلل العسكري داخل الحرم الجامعي، حتى أنهم حفروا أنفاقًا بالقرب من مبنى السكن الجامعي، حيث يقع إلى جوارنا ميناء الشويخ. لم يكن أحد منا يتوقع أن يتحول الحرم الجامعي إلى ساحة معركة ومظاهر عسكرية لم نعتد عليها من قبل.
مخاوف حقيقية
كيف أثّر الغزو على الطلبة البحرينيين المقيمين في الكويت؟
بعد ساعات من الغزو، انقطعت الاتصالات الخارجية، ولم يعد باستطاعة الأهل في البحرين التواصل معنا، وهنا زاد القلق علينا في البحرين. كان من الصعب علينا كطلبة بحرينيين تصور أن الكويت التي كانت تحتضننا للدراسة في أمن وسلام أصبحت فجأة ميدانًا للصراع والفوضى. تأثرت حياتنا الأكاديمية بشكل كبير، إذ توقفت الدراسة تمامًا، وتأجل موعد تخرجي الذي كان مقررًا في العام 1990 بسبب الغزو. إلى جانب ذلك، كانت هناك مخاوف حقيقية على سلامتنا الشخصية، ما جعلنا في حالة من القلق المستمر.
الرحلة الشاقة
ما الدور الذي لعبته السفارة البحرينية في تأمين إجلاء الطلبة؟
السفارة البحرينية كان لها دور حيوي للغاية في مساعدتنا. فبفضل جهود السفير البحريني الراحل عيسى الجامع، رحمه الله، تم تنظيم عملية إجلاء آمنة للطلبة البحرينيين. في البداية، قامت السفارة بتأمين أماكن إيواء مؤقتة لنا أكثر أمنا من سكن الطلاب الذي لم يعد آمنا. وكان هناك تواصل مستمر من السفارة للاطمئنان علينا. بعد نحو 5 أيام من تاريخ الغزو، قامت السفارة البحرينية بترتيب عملية إجلاء للجالية البحرينية في الكويت في قافلة مكونة بعدد من الحافلات، ترافقها مجموعة من السيارات، وذلك عبر منفذ السالمي البري عبر المملكة العربية السعودية. كانت رحلة شاقة وطويلة. ومع وصولنا إلى الجانب السعودي شعرنا بنوع من الأمن، حيث وفروا لنا الماء والمأكل بعد الرحلة الشاقة. كان معنا في الحافلات التي أقلتنا عائلات ومعها أطفال صغار.
دمار وسرقة
كيف أثر الغزو على الحياة الأكاديمية في جامعة الكويت؟
أدى الغزو إلى توقف الحياة الطبيعية في الكويت، بما في ذلك الدراسة في الجامعة. لقد تعرضت الجامعة للنهب، والدمار. فعلى سبيل المثال نهبت المكتبات الجامعية وقد تعرضت للتدمير، وكذلك الحال فيما يتعلق بسرقة أجهزة الكمبيوتر والمختبرات وغيرها من أصول الجامعة ومقتنياتها. وأماكن الدراسة التي كانت تعج بالحياة باتت مهجورة ومخربة. بالنسبة لي، كانت جامعة الكويت أكثر من مجرد مكان للدراسة.. كانت جزءًا من حياتي اليومية، حيث كان سكن الطلاب في الحرم الجامعي الذي يضم كليات الآداب، والحقوق، والعلوم الطبية المساعدة؛ ولذلك كان مؤلمًا جدًا رؤية هذا الدمار يطالها.

لا نرى الشمس
كيف كانت مشاعرك عند عودتك إلى الكويت بعد التحرير؟
على الرغم من المخاطر والذكريات المؤلمة، كان الشوق للعودة إلى الكويت قويًا. عدت بعد التحرير، وكانت آثار الدمار واضحة في كل مكان. وعشنا فترة من الزمن لا نرى الشمس بسبب الدخان الذي كان يغطي الكويت بأكملها نتيجة لحرق آبار النفط قبل خروج القوات الغازية. لكن ما لفت انتباهي هو الأمل الذي كان يسكن نفوس الكويتيين، والإصرار على إعادة بناء ما تم تدميره في وقت قصير جدا. شعرت حينها أن العلاقة بين البحرين والكويت ليست مجرد علاقة بين دولتين، بل هي أخوة حقيقية مبنية على أواصر تاريخية وإنسانية عميقة. وأدركت مدى الحب الكبير في قلبي للكويت وأهلها الذين قضينا بينهم أياما جميلة لم يعكرها سوى هذا الغزو الغاشم.
الصبر والعزيمة
ما الدروس التي استخلصتها من هذه التجربة؟
على الرغم من كل الصعوبات، هذه التجربة علمتني الكثير عن الصبر والعزيمة. كانت أيامًا صعبة، لكنها أظهرت لنا مدى قوة التضامن بين الشعوب. عرفت أن المحن قد تكون قاسية، لكنها تحمل في طياتها فرصًا للتكاتف والتعاون، وهذا ما رأيناه في تعامل البحرين مع الكويت أثناء الأزمة، فنحن أسرة واحدة نتأثر ببعضنا البعض.
الأمان والاستقرار
كيف ترى تأثير هذه التجربة على مسيرة حياتك؟
هذه التجربة غيرت نظرتي للحياة. لقد أدركت أن الاستقرار الذي نعده أمرًا مسلمًا به يمكن أن يختفي في لحظة، وأن الأمان ليس مجرد حالة بل مسؤولية تتطلب العمل للحفاظ عليها. وبعد حالة الخوف التي عشناها صرت أعرف المعنى الحقيقي للأمن الذي طالما تحدثنا عنه ودرسناه نظريا. كما جعلتني هذه التجربة أكثر تقديرًا للنعم التي أنعم الله بها علينا، لكننا لا نعرف قيمتها إلا حين نفقدها. وتعلمت أيضا درسا عمليا في الدور الذي تقوم بها البعثات الدبلوماسية والقنصلية، لاسيما في أوقات الأزمات.
قوة الشعوب
ما هي الرسالة التي تود توجيهها للأجيال المقبلة بشأن هذه التجربة؟
رسالتي للأجيال المقبلة هي أن المحن تختبر قوة الشعوب، وأن التضامن والتعاون هما السبيل لتجاوزها. ما حدث في الكويت كان مأساة، لكنه أظهر لنا قيمة الوحدة والتعاون بين الدول. يجب أن نتذكر هذه الأحداث لا للحزن والأسى، بل لنستلهم منها دروسًا في الصمود والإصرار على إعادة البناء مهما كانت الظروف صعبة. والصعوبات تعلمنا الصبر والتحمل في أوقات الشدائد، بدلا من الفزع، واليأس، وأن يبقى الأمل دوما حافزا للتغلب على الصعاب.
