التمويل الأخضر الخليجي يطلق العنان لتريليوني دولار من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030
تحليل اقتصادي: رؤى الاقتصاد العالمي 2025
من المتوقع أن يظل الاقتصاد العالمي صامدًا على الرغم من التحديات الكبيرة، وفقًا لأحدث توقعات الاقتصاد الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مع استمرار نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مع توقع زيادة بنسبة 3.2 % مقارنة بـ 3.1 % في العام 2023، بقيادة الولايات المتحدة والهند ودول مجلس التعاون الخليجي الست في شبه الجزيرة العربية.
النمو العالمي
وتختلف آفاق النمو بشكل كبير عبر المناطق، فمن المتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة 2.8 % في العام 2025، قبل أن يتباطأ إلى 2.4 % في العام 2026.
وفي منطقة اليورو، يستمر التعافي في المداخيل الحقيقية للأسر وأسواق العمل الضيقة وخفض أسعار الفائدة في دفع النمو.
ومن المتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو 1.3 % في العام 2025، و1.5 % في العام 2026. ومن المتوقع أن يتوسع النمو في اليابان بنسبة 1.5 % في العام 2025 ثم ينخفض إلى 0.6 % في العام 2026.
ومن المتوقع أن يستمر تباطؤ النمو في الصين، مع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.7 % في العام 2025 و4.4 % في العام 2026.
وبحسب تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تبين الإحصاءات أن الاقتصاد العالمي أثبت مرونته إثر التضخم بشكل أكبر على أهداف البنوك المركزية، في حين ظل النمو مستقرًّا وما تزال هناك تحديات كبيرة إذ تفرض التوترات الجيوسياسية مخاطر قصيرة الأجل، ونسب الدين العام مرتفعة، وآفاق النمو في الأمد المتوسط ضعيفة للغاية، في حين يبقى الاقتصاد متأثرًا بالرؤى الثلاثة التالية:
الرؤية الأولى: التداول
الواقع أن التضخم يتباطأ، ولكن الأسعار ما تزال أعلى، وهو ما يساهم في ما قد نطلق عليه اضطراب ما بعد الصدمة الاقتصادي، ومن المتوقع أن يتراجع التضخم في الخدمات، على الرغم من أن التعرفات الجمركية التي اقترحتها الإدارة الأميركية القادمة تشكّل خطرًا على أسعار السلع.
ويتوقع التقرير نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 3.3 % في العام 2025، ارتفاعًا من 3.2 % في العام 2024، و3.3 % في العام 2026.
ومن المتوقع أن يتراجع التضخم في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشكل أكبر، من 5.4 % في العام 2024 إلى 3.8 % في العام 2025 و3.0 % في العام 2026، بدعم من موقف السياسة النقدية المتشدد في معظم البلدان.
وقد عاد التضخم الكلي بالفعل إلى أهداف البنوك المركزية في ما يقرب من نصف الاقتصادات المتقدمة وما يقرب من 60 % من اقتصادات الأسواق الناشئة.
ومع ذلك، ما يزال نمو الاستهلاك الخاص ضعيفًا في معظم البلدان، ما يعكس ضعف ثقة المستهلك. كما تتعافى أحجام التجارة العالمية، مع زيادة متوقعة بنسبة 3.6 % في العام 2024.
الرؤية الثانية: الهجرة قوة عالمية
تظل الهجرة قوة عالمية مهمة، مدفوعة بأشخاص يبحثون عن فرص اقتصادية أفضل جراء العنف والحرب. وعلى الرغم من فقدان رأس المال البشري، فقد وجدت العديد من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل شريان حياة في التحويلات المالية، التي ارتفعت من 128 مليار دولار في العام 2000 إلى 857 مليار دولار في العام 2023، مع نمو يقدر بنحو 3 % هذا العام والعام المقبل، وفقًا للبنك الدولي، كما يعد ممر الولايات المتحدة والمكسيك أكبر خط أنابيب للتحويلات المالية في العالم، وبالنسبة للأسر ذات الدخل المنخفض، يمكن أن تمثل هذه الأموال نحو ثلث دخلها السنوي؛ لذا قد تؤدي التغييرات في سياسة الهجرة إلى إبطاء الهجرة في المستقبل، لكن استمرار رقمنة نظام التحويلات المالية البطيء وغير الشفاف تقليديًّا يجعل الصيرفة أكثر ربحًا.
الرؤية الثالثة: الاحترازات المستقبلية
أولا: احتواء الضغوط التضخمية
أكدت التوصيات الصادرة من مجلس الاقتصاديين ضرورة الإجراءات السياسية التي تعمل لحماية الاستقرار الاقتصادي الكلي عبر تخفيف السياسة النقدية بعناية؛ لضمان احتواء الضغوط التضخمية بشكل دائم، وعبر السياسة المالية التي تعيد بناء الحيز المالي للحفاظ على المساحة لتلبية ضغوط الإنفاق المستقبلية.
ثانيا: تعزيز الإنتاجية
من جانب آخر، لتعزيز الإنتاجية وأسس النمو، يجب تعزيز جهود التعليم وتنمية المهارات، وإلغاء القيود الصارمة للغاية على الاستثمار التجاري، ومعالجة الزيادة الهيكلية في نقص العمالة بنجاح.
وقد سلطت التوقعات الضوء على حالة عدم اليقين المستمرة التي تؤدي إلى تكثيف الصراعات الجارية في الشرق الأوسط، وبالتالي تعطيل أسواق الطاقة والإضرار بالثقة والنمو، والتوترات التجارية المتزايدة التي تعوق نمو التجارة، وقد تؤدي المفاجآت السلبية المتعلقة بآفاق النمو، أو مسار الانكماش، إلى إحداث تصحيحات مدمرة في الأسواق المالية.
وعلى الرغم من ذلك، يبقى التوقع بأن يتسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 3.7 % في دول مجلس التعاون الخليجي، ارتفاعًا من 1.8 % في العام 2024، بدعم من النشاط الاقتصادي غير النفطي القوي وانتعاش جزئي على الأقل في إنتاج النفط.
وعلى الرغم من انخفاض أسعار النفط، ينبغي أن تستمر جهود التنويع مع استفادة الحكومات من الميزانيات العمومية القوية لتمويل الاستثمار في البنية الأساسية.
وينبغي أن يستفيد الاستثمار في القطاع الخاص أيضًا من انخفاض أسعار الفائدة، ودعم التوظيف والاستهلاك المحلي.
كما ستختلف دول مجلس التعاون الخليجي في الأداء، فقد تستفيد الدول الغنية بالموارد من عائدات الطاقة لتثبيت النمو، بينما قد تواجه دول أخرى، قيودًا بسبب نقاط الضعف المالية.
ومن المتوقع أن ينمو الاقتصاد في الدول النامية المصدرة للنفط، مثل العراق والجزائر، بنسبة 3.3 %، ارتفاعًا من 2.7 % في العام السابق، في حين ستشهد الدول المستوردة للنفط تحسنًا متواضعًا في المعدل نفسه. وحتى مصر، التي تواجه تحديات اقتصادية فريدة من نوعها، من المتوقع أن تشهد نموًّا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.5 % في العام 2025، ارتفاعًا بنسبة مئوية واحدة عن العام 2024.
وعلى الرغم من الإصلاحات الهيكلية وصفقات الاستثمار واسعة النطاق، واجه الاقتصاد المصري ضغوطًا متعددة هذا العام من قيود التمويل الخارجي ونقاط ضعف النقد الأجنبي، فضلًا عن حرب غزة على حدودها والصدمات العالمية التي ضربت مصادر رئيسة للإيرادات مثل قناة السويس.
ثالثا: الإجراءات المالية الحاسمة
إن اتخاذ إجراءات مالية حاسمة أمر ضروري لضمان استدامة الدين، والحفاظ على الحيز اللازم للحكومات للرد على الصدمات المستقبلية وتوليد الموارد اللازمة للمساعدة في مواجهة ضغوط الإنفاق الضخمة الوشيكة.
وتشكّل الجهود الأقوى لاحتواء الإنفاق وإعادة تخصيصه وتعزيز الإيرادات، ضمن مسارات التكيف متوسطة الأجل ذات المصداقية والمصممة وفقًا للظروف الخاصة بكل بلد، عنصرًا أساسيًّا لضمان استقرار أعباء الديون.
رابعا: تطوير البنية التحتية
لقد ضعف الناتج المحتمل عموما في كل من الاقتصادات المتقدمة والناشئة منذ الأزمة المالية العالمية. والواقع أن الإصلاحات الرامية إلى تعزيز التعليم وتنمية المهارات، والحد من القيود في أسواق العمل، والمنتجات التي تعوق الاستثمار وتنقل العمالة، تشكل ضرورة أساسية لتحسين الإنتاجية، وتعزيز انتشار التكنولوجيات الجديدة، وتعزيز مشاركة القوى العاملة. وينبغي للاستثمار العام أن يكمل هذه الإصلاحات في المجالات المهمة التي تعاني من إخفاقات كبيرة في السوق؛ لذا فالاستثمار العام والخاص من شأنه أن يدعم النمو القوي للناتج المحلي الإجمالي غير النفطي في دول مجلس التعاون الخليجي.
خامسا: السياحة
يجب أن تظل السياحة نقطة مضيئة للمنطقة، وقد جعلت الدفعة القوية التي تبذلها دول مجلس التعاون الخليجي لتنمية قطاع السياحة لديها، هذه الدول واحدة من أسرع الوجهات نموًا في العالم، كما أضافت قوة العملات المرتبطة بالدولار الأميركي إلى الطلب على السفر الخارجي أيضًا. ووفقًا لإحصاءات السياحة التابعة للأمم المتحدة، فإن جنوب إفريقيا لم تتعاف بعد إلى مستويات ما قبل الوباء، وتستمر السياحة في تمثيل فرصة نمو دون قيود القدرة التي شوهدت في بلدان أخرى.
سادسا: الذكاء الاصطناعي والتمويل الأخضر
توفر قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والتمويل الأخضر سبلًا واعدة للنمو، وتعكس جهود دول مجلس التعاون الخليجي الرامية إلى تنويع الاقتصاد والتحول نحو التمويل الأخضر والطاقة المتجددة والتحول الرقمي، إدراكًا بأن النمو المستدام يعتمد على أكثر من عائدات الهيدروكربون. والواقع أن دول مجلس التعاون الخليجي، تستفيد من رأس المال الوفير والبنية الأساسية القوية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والمبادرات التي تقودها الحكومات لتضع نفسها في موقع الريادة في تبني الذكاء الاصطناعي.
إضافة إلى ذلك، فإن التكامل الإقليمي عبر الروابط بين الجامعات ومؤسسات البحث والقطاع الخاص، مع البرامج التي تجتذب المواهب الإقليمية، من الممكن أيضًا أن يرفع معايير البحث والتطوير، ما يساعد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بأكملها على التقدم من الناحية التكنولوجية. كما يكتسب التمويل الأخضر زخمًا، وتشير بعض التقديرات إلى أن التمويل الأخضر في دول مجلس التعاون الخليجي من الممكن أن يطلق العنان لما يصل إلى تريليوني دولار من الناتج المحلي الإجمالي التراكمي بحلول العام 2030، ويخلق أكثر من مليون فرصة عمل.
