العدد 5934
الأحد 12 يناير 2025
القيمة المضافة وريادة الأعمال
الأحد 12 يناير 2025

القيمة المضافة مصطلح إقتصادي شائع يهم الجميع سواء دول ومنظمات وأفراد، وهو مهم جداً ويرتبط بالعمل والإنتاج أينما وجد العمل والجهد وجدت القيمة المضافة. وهي ببساطة الفرق بين التكلفة النهائية للمنتج وبين سعرها الأصلي، غالبية السلع والمنتجات تتطور باستمرار ودائماً توجد منتجات جديدة وتطوير لأخرى قديمة، المنتجات الجديدة غالباً ما تكون بسعر أعلى من القديمة مع أنها قد تكون تكلفتها أقل. سوق الهاتف الجوال هو سوق سريع التطور سنوياً، حيث توجد مئات الأنواع الجديدة تدخل إلى الأسواق ومع كل جيل جديد نلاحظ أن المنتج أقل وزناً وأصغر حجماً وهذا يعني دخول مواد أولية أقل، والمنطق يقول إذا كانت المواد الأولية أقل يجب أن تكون التكلفة أقل! لكن العكس هو الذي يحدث فكلما انخفض حجم ووزن المنتج كلما أرتفع السعر وهذا الأمر تفسره القيمة المضافة؛ كيف؟

ولكي نُجِيبْ على السؤال أعلاه، فإن القيمة المضافة هو مصطلح مهم جداً وهو يرتبط بالعمل والإنتاج أينما وجد العمل وجدت القيمة المضافة؛ وكلما كان العمل منظماً أكثر وفيه براعة وخبره أكثر تلقائياً ترتفع معه القيمة المضافة "يعني الجهد الإنساني" هو المسيطر الحقيقي للقيمة المضافة، وببساطة القيمة المضافة هي الفرق بين التكلفة النهائية للمنتج وبين سعرها.

نعطي مثال: لو كان سعر هاتف الجوال من نوع معين في السوق يساوي 500 دينار، وتكلفة المواد الأولية له 50 دينار، تكون القيمة المضافة نتيجة طرح التكلفة النهائية من السعر المواد الأولية، وهذا يعني 450 دينار هو هامش الربح، ونلاحظ بأن القيمة المضافة هنا مرتفعة جداً في هذا المنتج.

مثال أخر، من المتوقع بأن تسعيرة طن الألمنيوم ابتداءً من شهر سبتمبر 2024، سوف تشهد ارتفاعاً ملحوظاً ليصل إلى 1630 ديناراً للطن الواحد، بعدما أن كان في الفترة الماضية بسعر 1500 دينار للطن الواحد، وإذا تم تصنعه وتحويله إلى صفائح سيكون السعر المحتمل 3260 دينار للطن، أما إذا تم استخدامه في صناعة السيارات فإن الطن الواحد سوف يرتفع إلى عشرة اضعاف سعره الأصلي، نلاحظ بأن طن الألمنيوم هو نفسه لم يتغير لكن نوع العمل الذي دخل فيه قد تغير "عمل نوعي واحترافي" لذا ترتفع قيمة بنوع المنتج الذي استخدم فيه، نفس الشيء لو اُدخل طن الألمنيوم نفسه في صناعة الطائرات الحربية سوف يزيد سعره بشكل مضطرد بسبب حساسية المنتج وأهميته ودقة تصنيعه في نفس الوقت سوف يرتفع سعره لو استخدم في الطائرة الحربية (F16)، وسوف يرتفع اضعاف مضاعفة لو استخدم في الطائرة الحربية (F35)، والسبب هنا هو الحداثة والخبرة العالية والتكنولوجيا والتقنيات الحديثة المستخدمة في انتاج هذه الطائرة المقاتلة.

سابقاً كان العمل والقيمة المضافة أغلبه ناتج من خلال العمل العضلي لكن اليوم القيمة المضافة هي ناتج من خلال عمل ذهني، والذي يفوق بدرجة كبيرة جداً القيمة المضافة الناتجة عن العمل العضلي، لأنه ساعة واحدة من العمل في معامل مختبرات التكنولوجيا تعادل العمل أيام في عمل تقليدي، لقد اصبحت القيمة المضافة معيار مهم لتقدم الدول، حيث أن الدول التي لديها قيمة مضافة مرتفعة تكون دول غنية حتى لو كانت هذه الدول فقيرة من الموارد الطبيعية، لأن الموارد الطبيعة اليوم لم تعد معيار للدول الغنية كمقياس! نلاحظ هناك دول لديها موارد طبيعة مثل نفط وغاز ومعادن لكن اقتصادها غير متطور، في المقابل هناك دول شبه فقيرة من الموارد الطبيعية لكنها من كبرى دول العالم اقتصادياً مثل اليابان وسويسرا وسنغافورة وكوريا الجنوبية وغيرها، وهذا بسبب الإنتاج النوعي والتقنيات الحديثة بالإضافة إلى الصناعات المتقدمة لهذه الدول آنفة الذكر. فهي تستورد مواد أولية بأسعار منخفضة وثم تعاود تصديرها على هيئة منتجات نهائية وبأسعار تفوق سعر الشراء الأول بمئات المرات.

 بعض الدول النامية لديها موارد طبيعية كبيرة لكنها لا تمتلك التكنولوجيا أو الخبرات البشرية التي تقوم بعملية التصنيع، لذا هي تقوم بتصدير هذه المواد كما هي، لذلك القيمة المضافة عند هذه الدول منخفضة وبطبيعة الحال ينعكس سلباً على اقتصادها مما يؤثر على الناتج محلي الجمالي (GDP) وبالتالي سيكون دخلها منخفض بالإضافة إلى ارتفاع بمستوى البطالة لديها.

القيمة المضافة هي بالدرجة الأولى نِتاج فكري وذهني، لذلك أصبح رأس المال البشري (Human Capital) هو الأهم في هذا الوقت، وأصبحت الخبرة البشرية "التراكم المعرفي والفكري" اليوم أهم من النفط والغاز والمعادن، لهذا السبب نلاحظ تقدم هذه الدول والتي تركز على استقطاب الكفاءات وتقوم على تطوير نظام التعليم بالإضافة إلى تقديم برامج تدريب متقدمة، وهذا كله يعزز الناتج المحلي الاجمالي أكثر بكثير من المواد الأولية لهذا البلدان كما اسلفنا، توضيح: "الميزان التجاري والمعروف أيضاً باسم الصادرات الصافية، هو الفرق بين الصادرات والواردات للدولة خلال فترة زمنية معينة"، وهو بهذه الصيغة:       الناتج المحلي الإجمالي الاسمي Nominal GDP Formula= C+I+G+(X-M)، هو يعني التالي:

 (C- personal consumption) العملاء، (I- Investment) الاستثمار، (G- Government) الحكومة، (X- exports) الصادرات، (M- imports) الواردات.

وعطفاً على ما تقدم، تغير مفهوم الاستعمار من استغلال الموارد الطبيعة للدول النامية إلى احتكار للعلم والمعرفة والتكنولوجيا، لذا من يمتلك العلم والمعرفة والتكنولوجيا يمتلك القيمة المضافة، ومن يمتلك القيمة المضافة يسيطر على الاقتصاد ومن يسيطر على الاقتصاد يسيطر أو يتحكم في السياسة.

هناك مقولة لألبرت أينشتاين: لا أعرف ما هي الأسلحة التي سوف تستخدم في الحرب العالمية الثالثة، لكن الحرب العلمية الرابعة ستكون بالعصي والحجارة، وهذا يعني بأن الحرب العالمية الثالثة سوف تدمر الحضارة البشرية وترجعها إلى للعصر الحجري، وذلك بسبب هذا التطور الهائل في هذه الالفية في مجال التكنولوجيا بشقيه "الذكاء الصناعي والفضاء والأمن السيبراني" وأيضاً دور منصات التواصل الاجتماعي لا يقل اهمية في تكوين العقل الجمعي "الصورة الذهنية" لما ستؤول إليه البشرية في ذلك الوقت.

وهنا نحث رواد الأعمال على تصميم وتنفيذ حلول تنموية مبتكرة ومؤثرة ومستدامة تساهم في تحقيق قيمة مضافة وتساهم في النمو الفكري والوعي الاجتماعي الذي يعزز اقتصاد متطور ومتنوع من خلال العمل في مجالات الذكاء الصناعي والأمن السيبراني وغيرها من علوم ذات أهمية تواكب متطلبات هذا العصر وتساهم على اكتشاف أنشطه اقتصادية وصناعية جديدة تُسهم في التأثير الإيجابي على البيئة والتوازن الاجتماعي (المشاريع الخضراء)، بمعني أخر تلبية احتياجات الحاضر دون الاضرار بمقدرات الأجيال المستقبلية على تلبية احتياجاتهم.

هذا وتنظر المجتمعات المتقدمة إلى رواد الأعمال من الذكور والإناث كمثال قيادي يستحق الاقتداء به وذلك بسبب الأعمال والإنجازات التي يقومون بها من خلال تدشين مشاريع ابتكارية تحمل في طيتها أعمال ذات مشاريع فريدة تكاد تكون صفرية المخلفات والتي لا تضر البيئة والمجتمع وتقوم بدورها في إتاحة فرص استثمارية مستدامة واعده، لأنه أينما وجد رواد الأعمال ستجد قيمة مضافة وعمل أكثر منهجية وبراعة وخبرة، كلما كان هذا العمل ذا قيمة مضافة أعلى – أي أن الجهد البشري هو المتحكم الحقيقي في القيمة المضافة لتنمية مستدامة تعود بالنفع على الوطن والمجتمع ككل. وهنا لا ننسى أهمية دور القطاع العام (الحكومة) والخاص (المنظمات الأهلية) لتقديم مبادرات أكثر مرونة وتذليل الصعاب لهؤلاء الرواد ليؤدوا دورهم بإتقان وبدون ضغوط إضافية تؤدي إلى تشتيت أفكارهم الخلاقة.

*أكاديمي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية