لا نكتم فرحتنا بما آل إليه الوضع في سوريا الشقيقة من زوال الغمة التي جثمت على صدور إخوتنا هناك لعقود من الزمن، لكنها فرحة يشوبها الحذر بسبب محطات غير واضحة المعالم وليست لها ملامح مقنعة، هذا إن نحّينا العواطف جانبًا. أحمد الشرع المعروف بأبي محمد الجولاني، نراه اليوم في سوريا من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها بكل ثقة دون أن ينظر إلى الأعلى خوفًا من مسيّرة تقتنصه، لماذا ومن أين أتته هذه الثقة؟ اختفاء الجيش السوري وقبله الرئيس نفسه دون أدنى مقاومة أمام تقدم قوات المعارضة رغم بساطة أسلحتها؟ ما السر وراء ذلك؟ معظم نفط سوريا في مناطق تحت سيطرة تنظيم قوات سوريا الديمقراطية “قسد” التي يغلب عليها الطابع الكردي، وهم كما هو معروف تحت الحماية الأميركية والإسرائيلية. لماذا يتباطأ في تحرير المناطق التي يسيطرون عليها؟ التهويل من قصة سجن “صيدنايا” إعلاميًّا وانشغال الجميع بها، وفي المقابل دمرت إسرائيل 80 % من قدرات الجيش السوري، فضلًا عن قضم بعض الأراضي السورية وضمها لإسرائيل.. فهل كانت قصة سجن “صيدنايا” إلهاءً مقصودًا لتشرع إسرائيل في مخططاتها؟
التساؤلات كثيرة، وقد تبدو عليها نظرة تشاؤمية أقرب ما تكون إلى نظرية المؤامرة، لكن دوافعها أننا خبرنا حالات شبيهة، وليست مسألة العراق عنا ببعيدة، بل أكذوبة أسلحة الدمار الشامل التي لم يصح من تسميتها سوى الدمار الشامل للعراق.
ختامًا.. هناك من يستشهد بقصة لا تصح من السيرة النبوية في فتح مكة وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم “اذهبوا فأنتم الطلقاء” وترك ما ورد في القرآن (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). وما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قصة العرنيين، وكذلك ما جاء عن الصديق رضي الله عنه في حروب الردة ووصيته لخالد بن الوليد رضي الله عنه أن لا يتساهل معهم، خصوصًا الذين نكَّلوا بالمُسلمين وعذّبوهم، وغيرها من شواهد.
القضية كبيرة جدًّا، وما نراه أو ما نستطيع قوله ليس سوى نزر يسير وجزء بسيط من مشهد كبير سنرى تبعاته قريبًا، وما حكاية سوريا وقبلها لبنان وقبلها غزة سوى تمهيد لها.
كاتبة بحرينية