يظل السادس من أكتوبر 1973 تاريخا في غاية الأهمية ضمن السردية الخاصة بالصراع العربي الإسرائيلي، حيث قام فيه الجيش المصري بقيادة الرئيس الراحل محمد أنور السادات بملحمة شبه مثالية ومتكاملة أحدثت صدمة عنيفة للهيكلية السياسية والعسكرية لإسرائيل. بنى أنور السادات خطته العسكرية بشكل أساسي على فكرة الخداع الاستراتيجي، بالاعتماد على النرجسية التي حدثت لإسرائيل بعد نكسة 1967، والتي حرصت إسرائيل على تكريس فكرة أن جيشها لا يقهر وبدأت نشر هذه الفكرة إعلاميا لإخافة وتحذير وإحباط الجيوش العربية.
حرص أنور السادات على تكريس فكرة أن مصر لن تحارب في الذهنية الإسرائيلية والعالمية، كثف عرض الأفلام السينمائية وكانت مباريات الدوري العام لكرة القدم في أوجها بشكل طبيعي، نشرت الصحف المصرية في صفحاتها الأولى خبرا عن سفر كبار القادة العسكريين المصريين لأداء فريضة العمرة، وصاحبت الخبر صور لهم بزي الإحرام في المطار، ونشر أيضا خبر سفر زوجتي أحد أهم قادة الجيش لإجراءات طبية في الخارج.. أرسلت للاستخبارات الإسرائيلية معلومات مضللة عن نية الهجوم المصري، كان ذلك في شهر رمضان، والذي صادف عيد كيبور اليهودي، تأكدت إسرائيل أن السادات لا يمكن أن يقوم بأية مغامرة عسكرية وهو الذي للتو قام بطرد 35 ألف سوفييتي من مصر وهم الخبراء الذين كان الجيش المصري يعتمد عليهم في التسليح والتدريب. الساعة الثانية ظهرا من السادس من أكتوبر كانت ساعة الصفر التي قامت فيها المقاتلات الجوية العسكرية المصرية بضربتها الأولى الناجحة والتي مكنت المشاة في الجيش المصري من عبور مبهر لقناة السويس واستعادتها بعد تدمير خط برليف المانع العسكري الذي وصف بأنه لا يقهر، ورفع العلم المصري على الضفة الشرقية من قناة السويس، ضربة قاسمة مبهرة حطمت أسطورة إسرائيل التي لا تقهر في ست ساعات. أنور السادات ظلمه الإعلام العربي كثيرا، وهناك أجيال كبيرة من الشباب العربي لا يعرف أية تفاصيل عن السادس من أكتوبر وتلك اللحظة التاريخية العظيمة التي حطمت فيها أسطورة جيش إسرائيل الذي لا يقهر بدهاء رجل فذ لم يتوقع أحد أن ينجح في تلك المواجهة، لكنه أبهر العالم. رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.
*كاتب وإعلامي سعودي