العدد 6458
السبت 20 يونيو 2026
حوراءُ الطّف
السبت 20 يونيو 2026

تُظهرها الشرائع السماوية – منذ فجر التاريخ الإنساني وحتى هذا الوقت – بأنّها “طوق النجاة” الذي أكد مقولة أنّها “نصف المجتمع” في دورها الكبير الذي تلعبه بمحيطها المجتمعي وبنائها الأسري وإدارة شؤونهما في أعظم الأدوار التي أسهمت في ذلك البناء وتعزيز استقراره وتربية أجياله وترسيخ قيمه وتحديد توجهاته، بموازاة غريمها الرجل حقوقًا وواجبات بمختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأدبية والعلمية وغيرها. فهي مَنْ تتّحمل – ولا تزال – مسؤولية التربية وتعليم الأخلاق التي تبني الشخصية المتوازنة السّوية في مناطق عيشها الرّيفي أو في أحياء سُكناها الحضري على سبيل بناء المجتمع المتوازن المزدهر.

ذاك ما يبدو في حالة الرخاء، فيما هي – أي المرأة - تترك أثرها العميق على الأفراد والمجتمعات في الظروف الاستثنائية التي أظهرت دورها الفاعل كعنصر صمود وثبات عبر إسهامها المؤثر في خطوط العمل الصحي والاستشفائي والإسعافي الأمامية، ودعم المتأثرين نفسيًا وعاطفيًا والتخفيف من معاناتهم وتحقيق تعافيهم حتى إنقاذ أرواحهم، فضلًا عن الإسناد الغذائي والدوائي والوقائي أثناء النزاعات والاضطرابات التي ينتقل معها حال الإيقاع المستقر داخل جدران المنازل إلى الحال غير المستقر خارج أسوارها فيما يُعرف بـ “التنظيم العاطفي الجماعي” الذي (يخنق) تضخيم المخاوف ويُخفّف من حدّة القلق ويُصحّح الشائعات ويُؤكد فكرة الثبات في أوقات الاضطراب بصناعة مساحات الأمان داخل أربعة الجدران.

نافلة:

“زينب” هو الاسم العربي الأصيل للشجرة طيبة الرائحة، حسنة المظهر. كما هو من الأسماء الأصيلة التي تحمل نُبل المعاني وعمق المدلولات؛ بأنْ طغت حينئذٍ على ساحة الأسماء العربية. كيف لا، وقد حملته شخصية تاريخية عظيمة عايشت جهاد جدّها وهي ابنة الخمس، وجمعت فيها فصاحة أبيها، وعفّة أمّها، وصبر وشجاعة أخويها الشقيقين، ووفاء أخيها غير الشقيق.

وكلّ ذلك في فضاءات فسيحة من تصارع الحسرات وتغاصُص الآلام التي عصفت بالأمّة الإسلامية بعد رحيل جدّها الأكرم (ص)، وإبّان نهضة أخيها الشهيد (ع) على مسرح واقعة الطّف الفجيعة بكربلاء - في 10 محرم سنة 61 هـ، الموافق 12 أكتوبر عام 680م – وحتى قيادتها البطولية للمسيرة التي كشفت عن عظيم كفاءتها ومَلَكَة قيادتها، كي تبرز بعدئذٍ حوراء للطّف (أي المرأة ذات الحضور المميز والشخصية المؤثرة بالوفاء والصدق) كوسيلة من وسائل الضغط أثناء وبعد تلك الواقعة الخالدة التي أعطت فيها الزخم المعنوي في شحذ همم الأنصار (رض)، وحفظ بنات الرسالة (ع) بعد حرق الخيام، وصولا إلى مواجهة مجتمع الكوفة والشام الذكوري آنذاك، وكشف زيفه وفضح مخططاته؛ بإعطاب ماكنته الإعلامية وتأليب رأيه العام من أجل بقاء الدين الحنيف وخلود الرسالة الحقّة.

 

*كاتب وأكاديمي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية