وردني تعقيب لأحد الأصدقاء الكتاب على سلسلة المقالات السابقة حول أزمة الخطاب العربي. فيما يلي مختصره: “أتفق معك في تشخيص إشكالية الخطاب العربي ونزوعه نحو المعارضة المطلقة، أو الامتثالية الكاملة، وهذا التشخيص يحمل في طياته دعوة لإرساء الحداثة على أسس الحرية وإطلاق الطاقات لتطوير مجتمعاتنا.. لكنني أحببتُ إيراد تدقيق لابد منه، وهو أن هذا هو واقع أغلب الناس عندنا، وليس النخب فحسب. الناس ينقسمون بين معارضة مطلقة و”امتثالية كاملة”، وقل من كان في الوسط، ودور المثقف في الواقع جزء من هذه المعادلة، مادام يتحرك داخل الفضاء الآيديولوجي، لذلك غالبا ما يكون في موقف لا يحسد عليه. فيحسبه كل طرف على الطرف الآخر، وما يستتبع ذلك من تبعات وأثمان باهظة؛ وقد يتصدى له المتصارعون ويهاجمونه وينهشونه نهشا، خصوصا إذا ما مارس أي دور نقدي تنويري في مجتمع لا يؤمن بتقبل الرأي الآخر. وأرى أن المثقف يجب أن يكون قادرا على ممارسة النقد مثلما يقول المسرحي الإيطالي داريو فو: “إن مهمة الكاتب هي أن يزعج الآخرين”. لذلك نحتاج بالضرورة تربية الأجيال الجديدة على التفكير الناقد وليس على الشعبوية الجوفاء أو الاتباعية السلبية.
قلت للصديق: بالفعل إن ظاهرة المعارضة التامة أو الولاء التام، صفتان في الشعوب نفسها لا في النخب فحسب. فنحن حالة انقسامية بشكل مرعب في كل شيء تقريبا، لذلك يسهل اختراقنا وضرب صفوفنا كعرب. هذا إضافة إلى غياب العقلانية في حياتنا الخاصة والعامة، في الخيارات والسياسات، ولذلك لا نزال ندور في حلقة مفرغة، لا فكاك منها من دون حسم في قضايا عديدة مثل الحرية - الديمقراطية، العقلانية، ولذلك لا نحتاج فقط إلى تعليم الأجيال الفكر الناقد والقبول بالرأي الآخر فحسب، بل نحتاج أيضا إلى تحرير الفضاء العام من تسلط الغوغائية التي تزرع الجهل والتخلف وتحجر التفكير الحر. فالشعوب الحية تعيش على وقع الأفكار الجديدة منذ خمسة قرون وحققت فتوحات مذهلة، لأنها حررت الإنسان وعقله، وكل فم مكمم، في حين لا يزال حرق الكتب عندنا طقسا من الطقوس المحببة! ولله في خلقه شؤون.
* كاتب وإعلامي بحريني