العدد 5654
الأحد 07 أبريل 2024
أزمة واشنطن مفصلية وليست طارئة (6-6)
الأحد 07 أبريل 2024

I.الفنون والإبداع
أطلق مصطلح “الردع” المتعدد الأوجه الذي سيطر على سياسات الفنون والإبداع الأميركية التي سادت خلال فترة ذلك التراجع، وانعكس سلبًا على المشهد الثقافي الأميركي الاقتصادي والسياسي الأوسع. ويمكن فهم مصطلح “الردع” في هذا السياق على أنه مختلف التحولات الاقتصادية والسياسية، التي تثبط أو تعوق بشكل غير مباشر ازدهار بعض الممارسات الفنية والإبداعية. وترسم أيضا اتجاه وطبيعة الإنتاج الثقافي. وتجلت هذه التأثيرات السلبية في ممارسات مست بعمق مختلف مجالات الفنون والإبداع:
‌أ.التحديات الاقتصادية وتمويل الفنون
.انخفاض التمويل العام: مع تحول أولويات الحكومة الأميركية نحو الاستجابة السريعة والمباشرة للضغوط الاقتصادية، واجه التمويل العام للفنون، من خلال آليات مثل الصندوق الوطني للفنون، تخفيضات كبيرة. وأجبر هذا الانخفاض في التمويل العديد من المنظمات الفنية على تقليص عملياتها، أو تقليل البرمجة، أو البحث عن مصادر تمويل بديلة، غالبا، ما يسيطر عليها التركيز بشكل أكبر على الجدوى التجارية.
.ضغط التسويق: مع انخفاض التمويل العام والخيري، كان هناك ضغط متزايد على الفنانين والمؤسسات الثقافية لإنتاج عمل ناجح تجاريا. أدى ذلك إلى نهج محافظ للإبداع، وتفضيل الجاذبية السائدة على الأعمال التجريبية أو المعقدة.
.مقاييس الابتكار: تلكؤ ريادة الولايات المتحدة العالمي في مختلف مؤشرات الابتكار، بما في ذلك مؤشر الابتكار العلمي، على الرغم من أنها باتت تواجه منافسة متزامنة ومتزايدة من دول مثل سويسرا والسويد وكوريا الجنوبية.
‌ب. السياسة الثقافية والسوق
.العولمة: كان للتوسع العالمي للمنتجات الثقافية وتأثير وسائل الإعلام الأميركية في جميع أنحاء العالم تأثير مزدوج. فمن ناحية، وفرت فرصا جديدة للفنانين الأميركيين للوصول إلى الجماهير الدولية. ومن ناحية أخرى، أثارت مخاوف متزايدة بشأن التجانس الثقافي وهيمنة المنتجات الثقافية الأميركية، ربما على حساب أشكال التعبير الثقافي المحلية.
‌ج. التأثيرات الاجتماعية والسياسية
.الحروب الثقافية: كان لـ “الحروب الثقافية” في أواخر القرن 20، والتي تركزت على المناقشات حول القيم الأخلاقية والثقافية، تأثير عميق على الفنون الأميركية الصرفة. فقد أصبحت قضايا مثل الرقابة، وتمثيل الفئات المهمشة، والتدقيق في محتوى الفن الممول من القطاع العام ساحات معارك متنامية، أثرت على أنواع التعبير الفني التي تم دعمها أو تهميشها.

•    التنوع والشمول: تحدت الحركات من أجل المساواة العرقية والجنسانية والمساواة “LGBTQ” قطاعي الفنون والثقافة لمعالجة الإقصاءات والتحيزات التاريخية. وقد أدى النضال من أجل مزيد من التنوع والشمول في هذه المجالات إلى مناقشات جادة، قادت في بعض الحالات، إلى تغييرات في السياسات والمؤسسات تهدف إلى توسيع نطاق التمثيل والوصول إلى أوسع قاعدة إنسانية متعددة الحضارات.

II.    التقدم التكنولوجي ووسائل الإعلام الجديدة
•    الثورة الرقمية: أدى ظهور الإنترنت والتقنيات الرقمية إلى تغيير مشهد الفنون والإبداع، مما أتاح أشكالًا جديدة من التعبير والتوزيع والتعاون. وفي حين ساهم ذلك إلى الوصول إلى الإبداع الفني ونشره، لكنه في المقابل أدخل أيضا تحديات جديدة تتعلق بتحقيق الدخل، وفهم اهتمام الجمهور، وطبيعة المحتوى.
•    التقارب الإعلامي: أدى المزج بين منصات الوسائط التقليدية والجديدة، إلى تغيير طريقة استهلاك الفن وإنتاجه. لقد اضطر الفنانون من أجل الوصول إلى قطاعات أوسع غير متجانسة، إلى البحث عن مزج متزايد بين الخلفيات الثقافية لمنتجاتهم، إن هم أرادوا توسيع قادتهم الجماهيرية، ورفع مستوى تفاعلهم مع الجماهير من خلال منصات متعددة، تنتشر بين وسائل التواصل الاجتماعي كي يتسنى لها الوصول إلى المشاريع التفاعلية القائمة على الويب.

III.    الاستجابات الفنية والابتكارات
•    الابتكار الفني: استجابة لهذه التحديات، ابتكر العديد من الفنانين والمنظمات الثقافية في ممارساتهم، واستكشفوا أشكالا جديدة من الإبداع، وتفاعلوا مع القضايا الاجتماعية والسياسية، ووجدوا طرقا جديدة للتواصل مع الجماهير، شكلت في مجملها مجموعة من التحديات التي قادت إلى تراجع ريادة المنتجات الأمريكية التي نعمت بالتفوق في مرحلة الازدهار.
•    المجتمع والمساحات البديلة: أدت الضغوط الاقتصادية والرغبة في الحرية الفنية إلى ظهور مساحات فنية بديلة ومشاريع مجتمعية، لم تعد محصورة في السياج الأميركي. بل تجاوزته إلى الساحات الأخرى المنافسة (بكسر الفاء، وفتح السين) غالبا ما تسعى هذه المساعي إلى خلق تجارب فنية أكثر شمولية على المستوى الأفقي، وأفضل نوعًا على المستوى العمودي. وأصعب مسلكًا لمن يريد الوصول إليها، أو التنافس معها. قاد ذلك إلى بروز تحد نجح في تقليص مساحات انتشار الفن الأميركي ومس ذلك بعمق النماذج التقليدية في عالم الفن التي زودت المشروع الأمريكي بحيويته التي إحتاجها، ونعم بها، في مرحلة الإزدهار.
كرس كل ما تقدم طبيعة التحديات متعددة الأوجه التي واجهت مشروعات النجاحات التي نعم بها النفوذ الأميركي على المستوى العالمي عبر المجالات العسكرية والاقتصادية والمالية والتعليمية والثقافية والفنية، في مرحلة النهوض. وسلط الضوء على التحديات التي واجهت قدرة الولايات المتحدة على التكيف معها من الحفاظ على دورها الريادي العالمي وسط المشهد المحلي والدولي المتغير بخطى سريعة كمًا، ومتنوعة كيفًا.
وبالقدر ذاته، أكد كل ذلك أن أزمة الولايات المتحدة اليوم ليست طارئة، بقدر ما هي مفصلية، ولها جذور تاريخية. ومن ثم فعلى واشنطن، إن هي ما تزال تصر على أن تكون القوة، أو إحدى القوى العظمى، وصاحبة الريادة، أن تعيد النظر في واقعها الحالي، وتمعن بشفافية في صورتها في المرآة كي يتسنى لها أن تتبوأ المكانة العالمية التي تطمح فيها، ولا تكف عن التفكير في كيفية الوصول إليها.
وميدان السبق مفتوح وتصدر المشهد العالمي وقيادة اتجاهاته المفصلية، رهن بالسياسات الرشيدة الواعية وتجسيدها كمشروعات حية وملموسة، لا بالتمنيات والحلم بها!!!
وعلى من يحاول تجاهل ذلك أن يعود إلى الأدبيات الأمريكية ذاتها التي لم يعد في وسعها تجميل التراجع الأميركي كي تخفي ثغراته، وتعثر خطواته.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية