العدد 5598
الأحد 11 فبراير 2024
الأزمة الاقتصادية المصرية (3-3)
الأحد 11 فبراير 2024

تؤكد مظاهر الأزمة الاقتصادية المحدقة بمصر - والتي أشرت إليها في الحلقتين السابقتين - مجتمعة، مدى خطورة الأزمة الاقتصادية التي تواجهها مصر، والتي تتسم بالتفاعل المعقد بين التحديات المالية والخارجية والهيكلية. وتنطوي الجهود التي تبذلها الحكومة للتعامل مع هذه القضايا على مقايضات صعبة بين تحقيق استقرار بيئة الاقتصاد الكلي، وضمان الحماية الاجتماعية للفئات الضعيفة، وإرساء الأساس للنمو المستدام.
ومن الضرورة بمكان، الالتفات إلى أن هذه الأزمات مترابطة، وكثيرا ما تؤدي إحداها إلى تفاقم الأخرى، ما يؤدي إلى وضع اقتصادي معقد يتطلب التصدي لاستراتيجيات متعددة الأوجه. وقد طرقت الدولة أبواب العديد من المؤسسات الدولية والإقليمية ذات العلاقة؛ من أجل الحصول على مساعدات وقروض يمكن أن تساعدها مع استمرار تدهور الاقتصاد المصري. 
وفي إطار المناقشات الجارية، أحرز صندوق النقد الدولي والسلطات المصرية “تقدما ممتازًا” بشأن حزمة سياسات شاملة. ومن المتوقع أن تبدأ هذه الحزمة المراجعات التي طال انتظارها لبرنامج الإصلاح الاقتصادي في مصر، ما يدل على التزام مصر القوي بالعمل على وجه السرعة بشأن جميع الجوانب الحاسمة للإصلاحات الاقتصادية. وقدم صندوق النقد الدولي اقتراحات ونصائح ملموسة لمساعدة مصر على التغلب على صعوباتها الاقتصادية. وتشمل العناصر الرئيسة لهذا الدعم والمشورة ما يلي:
1. التحديات الاقتصادية وتوصيات صندوق النقد الدولي: سلط صندوق النقد الدولي الضوء على التحديات الاقتصادية التي تواجهها مصر، بما في ذلك ارتفاع مستويات الديون، ونقص العملة الأجنبية، والاعتماد على دول مجلس التعاون الخليجي في التدفقات الدولارية، والاستثمار الأجنبي المباشر. وحذر صندوق النقد الدولي من أن العملة المصرية، الجنيه المصري، ستظل تحت الضغط حتى تتم معالجة هذه القضايا من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر الملتزم به والدعم من دول مجلس التعاون الخليجي. 
2. تسهيل الصندوق الممدد: في ديسمبر 2022، وافق صندوق النقد الدولي على ترتيب لمدة 46 شهرًا في إطار تسهيل الصندوق الممدد لمصر، بقيمة نحو 3 مليارات دولار أميركي. يهدف هذا البرنامج إلى دعم جهود استقرار الاقتصاد الكلي في مصر ودعم الإصلاحات الهيكلية، وخاصة تلك التي تعزز مشاركة القطاع الخاص والحياد التنافسي.

3. إصلاحات مفصلية في السياسات: تضمنت مشورة الصندوق لمصر مجموعة من التعديلات والإصلاحات الهيكلية في السياسات. ويشمل ذلك تعويم الجنيه المصري بالانخفاض لمعالجة تشوهات سوق الصرف الأجنبي، ورفع أسعار الفائدة الرئيسة لإدارة التضخم، وإدخال تدابير التخفيف الاجتماعي لحماية الفئات الضعيفة من السكان. وتؤكد الإصلاحات، في بعض جوانبها، على تعزيز دور القطاع الخاص، وتحسين الحوكمة وسيادة القانون، والنهوض برأس المال البشري.
على نحو مواز لما قام صندوق النقد الدولي، مارس كل من البنك الدولي وصندوق النقد العربي وبنك التنمية الإفريقي أدوارًا مهمة في تقديم المشورة والدعم لمصر بالتحديات الاقتصادية. 
وتوفر مشاركة البنك الدولي التفصيلية مع مصر نظرة عامة شاملة على نوع الدعم والمشورة التي تقدمها هذه المؤسسات الدولية عادة.
وتركز استراتيجية البنك الدولي لمصر، بشكل أساسي من خلال إطار الشراكة القطرية للسنة المالية 2023 - 2027، على مجالات حاسمة عدة، الأبرز بينها:
1. الاستقرار الاقتصادي والإصلاحات الهيكلية: يقر البنك الدولي بالتحديات التي تواجهها مصر، بما في ذلك أزمة الصرف الأجنبي، والتضخم التاريخي، وضغوط المالية العامة والضغوط على الحساب الخارجي التي تفاقمت؛ بسبب الصدمات العالمية. وتشمل الاستجابة إجراء تعديلات في السياسات مثل رفع أسعار الفائدة الأساسية، والسماح لسعر الصرف بالانخفاض لإزالة تشوهات السوق، وإدخال تدابير التخفيف الاجتماعي لحماية الفئات الضعيفة.
2. إشراك القطاع الخاص وخلق فرص العمل: يهدف إطار الشراكة التعاونية إلى خلق بيئة أكثر تمكينا للاستثمارات وفرص العمل التي يقودها القطاع الخاص، مع تأكيد أهمية الحياد التنافسي لتحسين مشاركة القطاع الخاص.
3. رأس المال البشري والحماية الاجتماعية: يعد تعزيز نتائج رأس المال البشري أولوية، مع دعم يهدف إلى توفير خدمات صحية وتعليمية شاملة ومنصفة إلى جانب برامج الحماية الاجتماعية الفعالة. 
4. المساندة المالية: يحدد إطار الشراكة التعاونية مظروفا ماليا كبيرا، بما في ذلك 7 مليارات دولار من القروض لمساندة هذه الأهداف، بمساهمات من مختلف كيانات مجموعة البنك الدولي مثل البنك الدولي للإنشاء والتعمير، ومؤسسة التمويل الدولية، والوكالة الدولية لضمان الاستثمار.
5. برامج شبكات الأمان الاجتماعي: ساند البنك الدولي مصر في تصميم وتوسيع نطاق برامج شبكات الأمان الاجتماعي، لاسيما برنامجي تكافل وكرامة، بدعم مالي كبير للوصول إلى ملايين الأسر. 
وتعد هذه المبادرات جزءا لا يتجزأ من جهود مصر لمعالجة نقاط ضعفها الاقتصادية؛ بهدف تحقيق مسار نمو اقتصادي أكثر تنوعا واستدامة وشمولا. ويتماشى التركيز على الإصلاحات الهيكلية، لاسيما في تعزيز الحوكمة، وبيئة الأعمال، ودور القطاع الخاص، مع التوصيات الأوسع نطاقا التي يرجح أن يرددها صندوق النقد العربي والبنك الأفريقي للتنمية، والتي تركز على القدرة على الصمود، والحد من الفقر، والاستقرار الاقتصادي.
هذه ليست سوى بعض الاقتراحات المقدمة من مختلف المنظمات، وقد تختلف التوصيات المحددة حسب تقييماتها وولاياتها الفردية. ويتطلب تنفيذ هذه الاقتراحات، في كثير من الأحيان، إرادة سياسية صارمة، وإصلاحات مؤسسية جريئة، وتعديلات اجتماعية تفكر على نحو مبدع خارج المتعارف عليها، وهو ما قد يكون صعبا. وتعتمد فعالية هذه التدخلات على عوامل مختلفة، بما في ذلك الديناميكيات السياسية والاقتصادية المحلية، والظروف الاقتصادية العالمية، وجودة التنفيذ.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .