تدعم تجربة الأشهر الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، مقولة أو بديهة، أن إسرائيل تكاد تسيطر أو تهيمن دعائياً على أغلب دول العالم الغربي.
الإشارة الأولى القوية في هذا الاتجاه ظهرت اثر انطلاق عملية طوفان الأقصى، عندما اقتحمت حركة حماس مستعمرات غلاف غزة وأسقطت الحزام الأمني الأكثر تطورا في العالم. ردة الفعل الغربية قاطبة كانت الوقوف إلى جانب إسرائيل، من دون التدقيق في الرواية الإسرائيلية المضخمة عن أفعال حماس، وتمثل ذلك بإعلان دعمها الوقوف إلى جانبها، وإرسال سفنها الحربية إلى قبالة شواطئ فلسطين، بعد التسليم بالترويج الدعائي الإسرائيلي عن جرائم مزعومة لحماس. صحيح أن الولايات المتحدة الأميركية كانت ولا تزال الدولة الغربية الأولى الداعمة لإسرائيل بحيث تمنع وتعارض أي وقف لإطلاق النار في مجلس الأمن، لكن الدول الغربية الأخرى والأوروبية منها فعلت الأمر نفسه ووقفت نفس الموقف، بحيث ان إسرائيل نالت تغطية كاسحة في مواجهة ما فعلته حماس وغاب أي تضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته، ولم يتوقف أحد امام مقولة حق شعب محتلة أرضه، بمواجهة الاحتلال المستمر منذ عام 1948. الإشارة الثانية التي أتت من نفس الاتجاه الغربي، أتت اثر الموقف من وكالة الأونروا الأسبوع الماضي، وهي الوكالة الدولية المكلفة بغوث الشعب الفلسطيني ومساعدته، حيث اتهمت إسرائيل المنظمة بمساندة حماس وأنها تضم عناصر إرهابية، فكانت ردة الفعل الغربية للمرة الثانية من أميركا والدول الأوروبية مساندة لإسرائيل من دون أي سؤال أو تدقيق في السردية الإسرائيلية والرواية المروجة من قبلها. في التدقيق تبين في المعلومات الأولية أن بضعة موظفين في الوكالة الدولية يصل عددهم إلى 12 موظفا قد تعاطفوا مع المقاومة الفلسطينية أو شاركوا في أعمالها مع أن وكالة الأونروا تحوي 30 ألفا من الموظفين بينهم 13 ألفا في قطاع غزة، وبالرغم من أن المنظمة تعمل في غوث ومساعدة الشعب الفلسطيني ولا معين له غيرها، لم يلتفت أحد من الدول الغربية الراعية لحقوق الإنسان والعدالة الدولية إلى التدقيق في الرواية الإسرائيلية، وصدرت الأحكام بوقف تمويل الأونروا قبل أي تحقيق شفاف أو عادل أو متمهل في المزاعم الإسرائيلية.
الناطق باسم الخارجية الأميركية ماثيو ميلر قال في بيان له إن "الولايات المتحدة تشعر بقلق بالغ إزاء المزاعم القائلة إن 12 موظفا لدى الأونروا قد يكونون متورطين في الهجوم الذي شنته كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر.
صحيفة "واشنطن بوست" أكدت المساندة الأميركية من دون تدقيق بالوقائع، ونقلت عن مسؤولين تأكيدهم أن "الولايات المتحدة لم تتحقق بشكل مستقل من مزاعم إسرائيل بشأن الأونروا".
لم تتوقف أية دولة غربية عند ممارسات إسرائيل التي تنتهك القانون الإنساني والدولي، والإدانة كانت باتجاه الشعب الفلسطيني فقط.
التجربة دلت من دون لبس على أن إسرائيل بسرديتها وموقفها وسطوتها ونفوذها تسيطر على مختلف الدول الغربية، أما السردية الفلسطينية العربية لحقوق الشعب المسلوبة فلا نصير لها.
كاتب وأستاذ جامعي من لبنان