رغم كل ما سمعنا خلال الأشهر الماضية من أن الاقتصاد الأميركي على وشك الدخول في ركود، إلا أنه أخذ الخط المعاكس فنما بقوة فاقت التوقعات؛ ففي الربع الثالث نما بمعدل 4.9% على أساس سنوي! يعني النمو المرتفع ارتفاعاً في معدل التضخم، وبالفعل عاود التضخم هناك للارتفاع فقد كان قد وصل إلى 3% في مايو، لكنه أخذ في التصاعد ثانية، ليصل إلى 3.7 %.
ماذا تعني معاودة التضخم للارتفاع؟ الإجابة تكمن في المنحى المُرّبك الذي يتخذه الاحتياطي الفدرالي، ومصدر الإرباك هو التذبذب، والذي من شواهدهِ الملموسة توقفه حالياً عن عمل شيء؛ وأقصد تحديداً أنه قرر ألا يخفض سعر الفائدة عندما انخفض التضخم، لكنه لم يرفعها عندما نما الاقتصاد فوق المتوقع، الأمر الذي على إثرهِ عاود معدل التضخم الصعود!.
يضع هذا التذبذب الاقتصاد العالمي في حالة ترقب مُضرّة للاقتصاد العالمي، ولاسيما دوله المرتبطة احتياطياتها وعملاتها ارتباطاً وثيقاً بالدولار، وكأنه لا تكفي حالة التوجس التي يعيشها الاقتصاد العالمي لاعتبارات جيوسياسية، ولا حال الانفراط (Fragmentation)التي تسود الاقتصاد العالمي لا تكفي. أما الأمر المحبط، فهو أن الاحتياطي الفدرالي غير واعٍ لتداعيات سياسته النقدية على الاقتصاد العالمي، وليس من الإفتئات القول إن تلك التداعيات هي - من واقع ممارساتها- خارج اهتمامات الاحتياطي الفدرالي! وعلى النقيض، في حال ارتفاع سعر برميل النفط سنت واحد -لأي سبب- قامت الدنيا بأن ذلك سيُدخل الاقتصاد العالمي في تباطؤ!.
ومن منطلق السياسة النقدية الهلامية للاحتياطي الفدرالي، فقد قرر في آخر اجتماعاته - الأربعاء بداية نوفمبر- الإبقاء على سعر الفائدة دون تغيير (5.25%-5.5%) ، رغم أنه كان عليه رفعها لو كانت سياسته متسقةً وجادةً في خفض التضخم إلى المعدل المستهدف من قبله (2 %). عملياً، لقد أصبح العالم شغوف ومتطلع ومتحرق لوصول معدل التضخم في أميركا إلى 2 % ولعله في تحرّق لا يقل عن تحرق الدوائر الاقتصادية الأميركية، والسبب كانت التوقعات أن يبقي الاحتياطي الفدرالي على سعر الفائدة على الدولار لفترة ستطول إلى أن يصل التضخم – على مَهلٍ فيما يبدو- إلى المعدل المستهدف (2 %).
السؤال الأول: هل سيصل التضخم في المستقبل المنظور (حتى نهاية العام 2024) للمستهدف مع سياسة نقدية متذبذبة تنفث الضبابية من اجتماع لاجتماع يعقده الفدرالي؟!.
السؤال الثاني: ما دام أن الاقتصاد الأميركي ينمو بقوة، فهذا يعني أن الطلب يتحسن، ويعني - بطبيعة الحال- أن التضخم سيبقى بعيداً عن 2% لفترة أطول، فلماذا لا يرفع الاحتياطي الفدرالي سعر الفائدة مجدداً لدفع التضخم للأسفل؟!.
الإجابة الموجزة للسؤال الأول: مستبعد أن يصل معدل التضخم في الولايات المتحدة الأميركية إلى 2 % خلال 14 شهر القادمة بسبب السياسة النقدية المهادنة، وما يساند هذا الاستبعاد دراسات عدة، إحداها أجراها البنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك بأن ثمة خطر يكمن في أن يبقى معدل التضخم أعلى من 2 % لما بعد نهاية العام 2024.
الإجابة الموجزة للسؤال الثاني: يبدو أن الاحتياطي الفدرالي استمرأ السعر المرتفع للفائدة على الدولار لأطول وقت ممكن، وذلك لاستقطاب الأموال من جنبات العالم، وحفظها في ودائع زمنية دولارية، فتلك الودائع تمثل نحو 57% من إجمالي قيمة الودائع الزمنية عالمياً، وإلا فإن في تخليه عن مستهدف 2 %، ورفعه إلى 3 % أو حتى إلى 2.5 %، سيُحدث انفراجاً اقتصادياً عالمياً، لكن ذلك من المستبعد حدوثه إلا إذا تراجع نمو الاقتصاد الأميركي لدرجة أن يدخل في ركود أو إذا أشتد ضغط سوق العمل الأميركية أو كلاهما خلال الربعين القادمين؛ الربع الرابع 2023 والربع الأول 2024.
د.إحسان علي بوحليقة
مؤسس مركز جواثا الاستشاري