العدد 5480
الإثنين 16 أكتوبر 2023
الحرب الدائرة بين حساب الحقل وحساب البيدر
الإثنين 16 أكتوبر 2023


اقتصادياً، يستعصي فهم لماذا تتسابق الدول الغنية وفي مقدمتها الولايات المتحدة لتقديم مساعدات نقدية وعينية مليارية إضافية لدولة ثرية، هي "إسرائيل"، مجابهة ‎هجوم حماس، فالولايات المتحدة تقدم روتينياً اعانات سنوية تتجاوز 3 مليار دولار أميركي؟! . أما سبب صعوبة الفهم، فهو أن "إسرائيل" دولة غنية جداً؛ حجم اقتصادها 488 مليار دولار، أي نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 47 ألف دولار سنوياً، واقتصادها منوع صناعياً وتقنياً، وموجه نحو التصدير. فضلاً، عن أن "إسرائيل" هي السادسة عالمياً في تصدر الأسلحة (12 مليار دولار سنوياً)، والثانية عالمياً في مؤشر تقنيات التجسس (spyware) ،كما  أن "إسرائيل" من بين أعلى دول العالم إنفاقاً عسكرياً؛ حيث تحتل المرتبة الثامنة عالمياً، بمتوسط إنفاق للفرد يُقدر بنحو 3250 دولار (محتسباً من بيانات معهد استوكهولم لأبحاث السلامStockholm International Peace Research Institute SIPRI ). مع كل هذا الجبروت، فهل "إسرائيل" بحاجة لدعمٍ إضافي حتى تقاوم اقتصاداً صغيراً ناتجه المحلي الإجمالي 2.4 مليار دولار، بنصيب الفرد 540 دولار ؟! .
وعليه، فهل الإعانات الإضافية هي مكافأة لفشل آلة الحرب الهائلة الضخامة التي تملكها إسرائيل في صد المباغتة؟! وهل الإعانات الإضافية هي مكافأة لفشل القبة الحديدية في صد صواريخ ‎حماس؟  للإجابة بعبارات أكثر تحديداً على السؤال، للنظر في  التبعات الاقتصادية لحرب حماس-إسرائيل، علينا الأخذ في الاعتبار أن من تبعات هذه الحرب في حال استمرارها أن تمتد لأبعد من نطاقها الجغرافي الحالي.
ومن منطلق النطاق الجغرافي، رسم اقتصاديو "بلومبرج" سيناريوهات قاتمة لتداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي، ووضعوا تحديداً ثلاثة سيناريوهات:
أولا: حرب محدودة: بين إسرائيل وحماس، ترفع سعر النفط 4 دولار ، ولن يكون لها أثر يذكر على الاقتصاد العالمي (-0.1%).
ثانيا: حرب بالوكالة: بين إسرائيل وحماس وحزب الله، ترفع سعر النفط 8 دولار،  وتحد من معدل نمو الاقتصاد العالمي (-0.4%)
ثالثا:  حرب مباشرة: بين إسرائيل وإيران وحماس وحزب الله، تزيد سعر برميل النفط 64 دولار عما هو عليه، وتقلص معدل النمو العالمي بحدةٍ (-1%)، وترفع التضخم عالمياً 1.2%.
السيناريوهات أعلاه ليست تنظيرية بحتة، فقد بُنِيَت على معطيات حروب غزة 2014، لبنان 2006، حرب الخليج 1990-1991. وعند النظر في جوانب من التكلفة الاقتصادية للحرب في أسبوعها الأول نجد أن بنك‎ إسرائيل المركزي رصد 30 مليار دولار للدفاع عن العملة المحلية (الشيكل)، ومع ذلك تراجعت قيمة الشيكل 3% أمام الدولار، كذلك خلال أسبوع ارتفعت تكلفة التأمين على سندات الخزانة الإسرائيلية ارتفع 66 نقطة أساس، وهو ارتفاع قياسي غير مسبوق، وتراجع مؤشر سوق تل أبيب (TA-35) 6.4%..
المغزى هو أن التكلفة الاقتصادية الأكبر على إسرائيل هي تكلفة السمعة بأن التقنية الاستخباراتية العالية حصينة، لكن تبين أن الأمر ليس كذلك. هذا يعني حتماً البحث عن خيارات أخرى ستكون بالقطع مكلفة. وبالنتيجة فإن مستوى المخاطر السيادية لإسرائيل ارتفع وسيرتفع، فحالياً التصنيف السيادي لإسرائيل هو تحت المراجعة من قبل وكالة التصنيف العالمية "موديز". كل هذا سيعني تكلفة إضافية على الاقتصاد الإسرائيلي حكومةً وقطاعاً خاصاً واستثماراً أجنبياً. وبالتأكيد لذلك تأثيرات سلبية على الاقتصاد الإسرائيلي تزداد مع استمرار الحرب وتزايد احتمالات ومخاطر اتساع نطاقها. الخيار الوحيد المستدام هو الخروج من دوامة الصراع والحروب إلى كنف السلم المبني على أسس راسخة لا تقفز فوق حقوق الفلسطينيين في إقامة دولةٍ مستقلة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .