العدد 5473
الإثنين 09 أكتوبر 2023
ممر "الهند-الشرق الأوسط-أوروبا" يلبي حاجة سعودية
الإثنين 09 أكتوبر 2023


التجارة الدولية هي المحرك الأهم للاقتصاد العالمي منذ الأزل ولا تزال، تُعقد من أجلها الاتفاقات والتفاهمات،  وبسببها تشتد المماحكات بين الدول وقد تتأزم فتصبح حروباً طاحنة. ولتجاوز تلك المخاطر وللاستفادة من الفرص تلجأ الدول لتأمين ممرات لعبور تجارتها دون عوائق، فقد بلغ حجم التجارة الدولية السلعية 25.3 ترليون دولار في العام 2022، وتجارة الخدمات التجارية 6.8 ترليون دولار، والخدمات الرقمية 3.8 ترليون دولار وفقاً لمنظمة التجارة الدولية. ولابد من التنويه في هذا السياق، أن منطقة الخليج العربي خصوصاً والشرق الاوسط عموماً من المسارات الرئيسية والنشطة للتجارة الدولية، بمعدلات نمو تفوق المعدل العالمي، فضلاً عن أن صادرات منطقة الخليج العربي من نفط وغاز وبتروكيماويات سلعية هي كذلك من فئات الصادرات السلعية الأكثر نمواً.
وليس متوقعاً أن يغير الممر الاقتصادي للهند والشرق الأوسط وأوروبا (India-Middle East-Europe Economic Corridor) قواعد التجارة العالمية، لكنه سيسهل تسيير التجارة للدول المطلة على الممر الذي وقعت السعودية والإمارات والهند والولايات المتحدة مذكرة تفاهم بصدده على هامش اجتماعات مجموعة العشرين في نيودلهي في الهند بداية شهر سبتمبر 2023. والأكثر استفادةً هي الدول التي ستعزز نشاط تجارتها الدولية للاستفادة من المعبر، باعتبار أن نقطة البداية في المعبر هي الهند، ونقطة النهاية في الشمال هي أوروبا (اليونان)، وستستفيد الهند عبر إرسال بضائعها مباشرة ودون عوائق من خلال هذا الممر إلى المقصد سواء أكان السعودية أو الهند أو ما بينهما من دول. وفي حالة الهند، فمع وجود هذا الممر لن تتعرض البضائع الهندية لأي توقف أو تأخير في الدول المارة مثل السعودية أو الإمارات، وستنطلق البضائع من نقطة الشحن في الهند إلى نقطة المصب في أوروبا، وهذا يعني تسهيل التجارة وستكون منافسة بحيث تقلص التكاليف اللوجستية الكثيرة ذات الصلة بالشحن والمتابعة والتحميل وتختصر الوقت وتتيح استخدام أنماطاً أخرى عوضاً عن الالتفاف بالسفن على بحر العرب إلى البحر الأحمر ثم عبر قناة السويس وصولاً إلى أوروبا، وهذا كله سيُختصر في الممر انطلاقاً من الهند.
وينبغي ألا يغيب عن الذهن أن منطقة الشرق الأوسط منطقة تجارية نشطة، تتجاوز تجارتها 2 ترليون دولار سنوياً، ولها دور ارتكازي في التجارة الدولية ليس فقط بسبب حصتها من التجارة الدولية بل كذلك بحكم موقعها في وسط العالم، بين الاقتصادات المتقدمة في أوروبا وشمال أميركا، وبين الاقتصادات الصاعدة في آسيا ولاسيما الصين والهند. وعليه، فالمكاسب الكبيرة، وحجم تلك المكاسب يعتمد حقيقة بحماس الدول التي يعبرها الممر لتنفيذ اتفاقات مرنة من جهة، وتكون محل تطبيق والتزام من جهة أخرى، فالممر هو أشبه ما يكون إلى خط سفر سريع (Highway) للتجارة الإقليمية العابرة للبلدان، أما إذا كانت الشحنات ستتعرض إلى التفتيش وإعادة التحميل، فستكون المكاسب قليلة، أو إذا كانت هناك تسهيلات تخضع للتجاذبات التي قد تحدث بين الدول لاعتبارات سياسية فسيتأثر الممر بذلك، والأمر المهم، هو التزام الدول بتوفير الاستثمارات الضرورية لتوفير بنية تحتية عالمية المستوى وذات سعة كافية باعتبار أن آفاق النمو واضحة، فلدى الهند اقتصاد واعد، وبالتأكيد هي لم تحرص منذ سنوات على توفير الاتفاقات لقيام مثل هذا الممر إلا لتنمي تجارتها السلعية النشطة بينها وبين دول الخليج العربي، ولكن أيضاً استهدافاً لألمانيا وبقية دول أوروبا وبخاصة الاقتصادات الرئيسة هناك، وكذلك تلقي الواردات من تلك البلدان، وبالنسبة لدول الخليج، وبخاصة السعودية والإمارات، فالمكاسب ستكون كبيرة، إذ أن القضية تتجاوز التجارة، فكلتا الدولتين من الدول الرئيسة في التجارة الدولية، سواء استيراداً أو تصديراً، لكن الآن سيصبح نشاطهما أكبر من حيث إعادة التصدير، فالإمارات والسعودية من الدول الرئيسة في إعادة التصدير، والرياض لديها طموحات كبيرة لتحقق هذا الأمر، وهذا سيكون مفيد لنشاط إعادة التصدير في السعودية، كذلك سيكون مفيداً لتعزيز تطلعات التنويع الاقتصادي، لا سيما في مجال النقل والخدمات اللوجستية والتصنيع، وهذه محاور ثلاثة مهمة لها استراتيجيات أعلنتها السعودية وأطلقها سمو ولي العهد، مثل الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، والاستراتيجية الوطنية للصناعة وهما استراتيجيتان رئيستان من ضمن برامج تحقيق رؤية 2030، والأمر الآخر في شأن تأثير هذا المعبر، هو أنه سيوفر فرصة لاستغلال المناطق اللوجستية التي أعلنت عنها السعودية وأطلق سمو ولي العهد المخطط العام للمراكز اللوجستية في المملكة  والذي يضم 59 مركزاً لوجستياً  منها 17 مركز في المنطقة الشرقية و12 مركزاً  لكلٍ من منطقة الرياض ومنطقة مكة المكرمة، وهذا يعني أن السعودية في طور إنشاء شبكة متكاملة من المراكز اللوجستية، ما يعني تلقي السلع الآتية من الهند أو من الإمارات  أو أوروبا، ومن خلال شبكة المراكز اللوجستية السعودية، وتوجيهها إلى أي نقطة داخل البلاد أو خارجها إلى أفريقيا، وذلك تحقيقاً لاستغلال الموقع الاستراتيجي المتميز للسعودية كرابط بين ثلاث قارات.
لعل من المناسب استحضار تجربة خط "التابلاين" -الذي كان ينقل النفط السعودي شمالاً إلى البحر الأبيض المتوسط- لبيان أن إيجاد رابط عابر للبلدان لم يكن قط بعيداً عن الاهتمامات الاقتصادية السعودية.
أما فيما يتصل بالممر الجديد، فسيعزز تمركز السعودية كمحط للتجارة الدولية، كما أن الفائدة من هذا الممر لمنطقة الشرق الأوسط، وبالأخص دول مجلس التعاون الخليجي من جهة والدول العربية من جهة أخرى، ستكون كبيرة، والسبب أن دول مجلس التعاون يجمعها جدار جمركي واتفاقية اقتصادية موحدة تجعل هذه الدول منطقة تجارية واحدة، بمعنى إمكانية النفاذ من أي نقطة من الإمارات أو السعودية إلى بقية دول مجلس التعاون، وهذا سيقلل من التكاليف اللوجستية والزمنية وسيوفر خيارات أكبر للسلع بما يزيد من تنافسية المصنعين ويخفض التضخم، باعتبار أن التكاليف ستكون أقل على المستهلكين النهائيين، وكذلك سيكون له أثر أكبر في تحقيق حلم يراود المنطقة العربية منذ الستينيات وهو ما كان يسمى "السوق العربية المشتركة" ثم بعد ذلك أصبحت منطقة التجارة العربية الكبرى، وهذه اتفاقية متكاملة وبها تخفيضات جمركية على نسق ما نسج من اتفاقات التجارة العالمية وهو ما يعني وجود نقطة نفاذ سواء كانت من الإمارات أو السعودية باعتبار أن لها امتداداً جغرافياً مع بقية الدول في مجلس التعاون، وإطلالتها على البحر الأحمر والوصول إلى أفريقيا ودولها مثل السودان أو مصر، أو شمالاً عبر الأردن وسوريا والعراق، وهناك اتفاقيات تجارية أخرى سواء كانت بين الدول الإسلامية أو بروتوكولات بين الدول العربية ونظيرتها غير الإسلامية وهذا سيمثل فرصة لزيادة الزخم التجاري العابر للسعودية من قبيل المناولة وإعادة التصدير، وعلينا أن نتذكر كذلك أن السعودية ستكون أكثر تهيئاً لتكامل هذا الممر مع مبادرتها الخاصة بتأسيس عدد من المناطق الاقتصادية الخاصة والتي أعلنت مؤخراً عن أربع من هذه المناطق، والتي يمكن من خلالها استلام الشحنات الكبيرة وإعادة تعبئتها أو تقسيمها إلى شحنات جزئية وإعادة تصدير هذه الشحنات الجزئية كل منها في اتجاه مختلف، وأن تكون هناك فرصة كبيرة للتخزين وإعادة التصدير في المناطق الاقتصادية الخاصة وتتجه البضائع إلى أفريقيا أو دول عربية أخرى أو أي نقطة في العالم، وهو ما سينشط إعادة التصدير في السعودية من جهة، وسيساهم في تنشيط التصنيع من جهة أخرى عبر استلام وتجميع الصناعات غير المكتملة (subassemblies) ثم اكمال تجميعها أو تصنيعها بإنجاز بعض العمليات الصناعية بما يحقق القيمة المضافة ويرفع المحتوى المحلي لجعل المنتج سعودياً وتصديره وفقاً للاتفاقيات التجارية بين الرياض وبقية البلدان، ومن الواضح أن ذلك سيكون في صالح الصادرات السعودية وتعزيز الناتج المحلي الإجمالي، بخاصة في ظل وجود علاقة وثيقة بين صافي الصادرات ونمو الناتج المحلي، وذلك سيصب تحديداً في زيادة الصادرات غير النفطية إلى نحو 50 % من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بحلول عام 2030، وهو أحد مستهدفات رؤية المملكة 2030.

 

* مؤسس مركز جواثا الاستشاري

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .